ومما يجب علينا أن لا ننكره، أنّ العامل الطبي في حياة المدمن هي خطوة أولية فقط، ولكنّ العامل النفسي هو من يصاحبه طيلة حياته، والأسرة الحريصة على إخراج أحد أفرادها من مرض الإدمان لا بدّ عليها أن تقف وقفاتِ مع ما ابتليت به وتنظر في كل حياتها من أول نشأتها إلى ما هي عليه الآن، حتى تستخرج تلك النقاط السوداء في مسيرتها، التي أدت بأحد أفرادها إلى المخدّرات.
وليس عيبا أن تبدأ الأسرة حياة خاطئة مليئة بالأخطاء بشرط أن تتداركها مع الوقت وأن تعود إلى سواء السبيل، ولكن الخطأ الأكبر هو أن تواصل هذه الأسرة على ما هي عليه، حتى تجد نفسها خارجة عن الجادّة في حياتها.
لابدّ على الأسرة أن تتخذ مع (المتعافى) _وهو الاسم الذي سنطلقه عليه بعدما نبذ حياة الإدمان وراء ظهره_ طرقا جديدة بعد خروجه من مركز العلاج، تجمع فيها بين إدماجه في حياته الجديدة وبين تقويته على عدم الانتكاسة والتفكير في المخدّر، ويمكننا أن نضعها في نقاط وهي كالتالي:
1_ تقوية إرادة المتعافى
فبعدما كان المدمن فاتر الهمّة خائر القوى ضعيف الشخصيّة، بدأت تظهر عليه علامات الاستقامة والعودة إلى الحياة العاديّة بعد العلاج، ولكنّ عامل الخوف ونظرة النّاس إليه قد يعملان فيه، ويجرّانه إلى الوسوسة، وهنا تلعب الأسرة دورها الفعّال في تقوية إرادته وتحفيزه على الخوض في هذه الحياة والصبر عليها وأنّهم معه فيها، فيجد بهذه التحفيزات والتشجيعات دافعا نفسيا فتحيا إرادته كلّما أمّت إلى الفتور.
ولا يخاف المتعافى أبدا من شيء اسمه (الفشل) لأنّ ما يمرّ به إنّما هي التجربة في حد ذاتها، وهو بها يزيد قوّة إلى قوّة، بل كونه استطاع أن يتوقّف عن المخدّر ورغبته تدفعه إلى التخلّص منه، من أعظم النجاحات التي لعلّه لا يراها، فلا يبقى أبدا يفكّر فيما مضى من عمره لأنّ هذا توهينٌ له وتذكيره بما يكره، وإنما ينظر إلى حياته بنظرة إيجابيّة جديدة، ولذلك ليس الفاشل من يقع في الفشل، إنمّا هو من يقع فيه ثمّ يرتضيه ويكرّر نفس الخطأ.
فالحياة عبارة عن سلسلة من التجارب والخبرات، بعضها جيّد والآخر سيّء، وكل واحدة من هذه الخبرات تجعلك أكثر قوّة على الرغم من أنّه غالبًا ما تغفل عن إدراك ذلك، ولا يخفى دور الأسرة في هذه الخُطوات التّي يخطوها المتعافى، فهو كالطفل الصغير الذي كان يحبو، ثم يبدأ يحاول أن يقف على رجليه، فتارة يقف، وتارةً يسقط وهم يمسكون بيده ويضحكون ويستبشرون ويحفّزون إلى أن يأذن الله تعالى بالوقوف والمشي {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } (آل عمران: 159) .