ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَهُ حَالَ الْآخِرَةِ فَقَالَ: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) أَيْ لِمَنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ الدُّنْيَا بِالْحَقَارَةِ وَسُرْعَةِ الِانْقِضَاءِ، بَيَّنَ أَنَّ الْآخِرَةَ إِمَّا عَذَابٌ شَدِيدٌ دَائِمٌ وَإِمَّا رِضْوَانٌ، وَهُوَ أَعْظَمُ دَرَجَاتِ الثَّوَابِ، ثُمَّ قَالَ: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) يَعْنِي لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا، وَأَعْرَضَ بِهَا عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الدُّنْيَا مَتَاعُ الْغُرُورِ إِذَا أَلْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ، فَأَمَّا إِذَا دَعَتْكَ إِلَى طَلَبِ رِضْوَانِ اللَّهِ وَطَلَبِ الْآخِرَةِ فَنِعْمَ الْوَسِيلَةُ" [1] ."
{وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [2]
"يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ حَقَارَةِ الدُّنْيَا وَزَوَالِهَا وَانْقِضَائِهَا، وَأَنَّهَا لَا دَوَامَ لَهَا، وَغَايَةُ مَا فِيهَا لَهْوٌ وَلَعِبٌ: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أَيْ: الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ الْحَقُّ الَّذِي لَا زَوَالَ لَهَا وَلَا انْقِضَاءَ، بَلْ هِيَ مُسْتَمِرَّةٌ أَبَدَ الْآبَادِ."
وَقَوْلُهُ: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أَيْ: لَآثَرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى" [3] ."
{فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) } [4]
(1) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب» سورة الحديد
(2) سورة العنكبوت
(3) تفسير القرآن العظيم» تفسير سورة العنكبوت» تفسير قوله تعالى"وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب"/ الجزء السادس
(4) سورة النجم