الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَفَارِشِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْمَوَاطِئِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَعَّمُ بِهِ أَهْلُ الرَّفَاهِيَةِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلَى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيهَا وَالْأَخْذِ بِالتَّقَشُّفِ وَمَا يُجْتَزَئُ بِهِ رَمَقُ الْحَيَاةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي التَّأَسِّيَ بِهِ. وَعَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ وَعِزَّةِ نَفْسِهِ الْفَاضِلَةِ عَنْهَا: أَتَظُنُّونَ أَنَّا لَا نَعْرِفُ خَفْضَ الْعَيْشِ؟ وَلَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ أَكْبَادًا وَصَلَاءً وَصَلَائِقَ، وَلَكِنْ أَسْتَبْقِي حَسَنَاتِي، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ أَقْوَامًا فَقَالَ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ) . وَالصِّلَاءُ الشِّوَاءُ، وَالصِّفَارُ الْمُتَّخَذُ مِنَ الْخَرْدَلِ وَالزَّبِيبِ، وَالصَّلَائِقُ: الْخُبْزُ الرِّقَاقُ الْعَرِيضُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَذَا مِنْ بَابِ الزُّهْدِ، وَإِلَّا فَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَتْ تَكُونُ لَكُمْ طَيِّبَاتُ الْآخِرَةِ لَوْ آمَنْتُمْ، لَكِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا، فَاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. فَهَذِهِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) ، وَلَوْ أُرِيدَ الظَّاهِرُ، وَلَمْ يَكُنْ كِنَايَةً عَنْ مَا ذَكَرْنَا، لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِالْعَذَابِ. وَقُرِئَ: الْهَوَانُ، وَهُوَ وَالْهُونُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الْكِنَايَةَ بِقَوْلِهِ: (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) : أَيْ تَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْإِيمَانِ، (وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) : أَيْ بِمَعَاصِي الْجَوَارِحِ، وَقَدَّمَ ذَنْبَ الْقَلْبِ وَهُوَ الِاسْتِكْبَارُ عَلَى ذَنْبِ الْجَوَارِحِ، إِذْ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ نَاشِئَةٌ عَنْ مُرَادِ الْقَلْبِ" [1] ."
{إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) } [2]
(1) تفسير البحر المحيط» تفسير سورة الأحقاف» تفسير قوله تعالى ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا/ الجزء الثامن
(2) سورة محمد