يُخْرَجُونَ مِنْهَا أَيْ مِنَ النَّارِ. وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يُسْتَرْضُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (فَالْيَوْمَ لَا يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا وَنَحْوُهُ" [1] ."
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) } [2]
" (وَيَوْمَ يُعْرَضُ) : أَيْ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ، كَمَا يُقَالُ: عُرِضَ عَلَى السَّيْفِ، إِذَا قُتِلَ بِهِ. وَالْعَرْضُ: الْمُبَاشَرَةُ، كَمَا تَقُولُ: عَرَضْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ: أَيْ بَاشَرْتُ بِهِ النَّارَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ عَرْضُ النَّارِ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، يُرِيدُونَ عَرَضَ الْحَوْضَ عَلَيْهَا، فَقَلَبُوا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُجَاءُ بِهِمْ إِلَيْهَا فَيُكْشَفُ لَهُمْ عَنْهَا. انْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَلْبِ، إِذِ الصَّحِيحُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ مِمَّا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ فِي الشِّعْرِ. وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا وَاضِحًا مَعَ عَدَمِ الْقَلْبِ، فَأَيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَيْهِ؟ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَلْبِ، لِأَنَّ عَرْضَ النَّاقَةِ عَلَى الْحَوْضِ وَعَرْضَ الْحَوْضِ عَلَى النَّاقَةِ، كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ، إِذِ الْعَرْضُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إِسْنَادُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاقَةِ وَالْحَوْضِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَذْهَبْتُمْ عَلَى الْخَبَرِ، أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَذْهَبْتُمْ، وَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) . وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ وَثَّابٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَابْنُ كَثِيرٍ: بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُمَا ابْنُ ذَكْوَانَ، وَلَيَّنَ الثَّانِيَةَ هِشَامٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةٍ. وَعَنْ هِشَامٍ: الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُلَيَّنَةِ بِأَلِفٍ، وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ هُوَ عَلَى مَعْنَى التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيرِ، فَهُوَ خَبَرٌ فِي الْمَعْنَى، فَلِذَلِكَ حَسُنَتِ الْفَاءُ، وَلَوْ كَانَ اسْتِفْهَامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الْفَاءُ. وَالطَّيِّبَاتُ هُنَا:"
(1) الجامع لأحكام القرآن» سورة الجاثية» قوله تعالى ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا
(2) سورة الأحقاف