كما أنه من المعلوم أن الشعوب التي ستدخل في الإسلام إثر هذا الجهاد ستكون في غالب الظن على طريقة الحاكم في الاعتقاد؛ وذلك لأنه يشترط في ولاة الأقاليم والعلماء أن يكونوا على طريقته؛ بل كان يمتحن العلماء الذين لا يعملون في ولايته ليحملهم على معتقده، ويعزل من هو على خلافه؛ فما الظن في اشتراط موافقته معتقده عند ابتداء توليته؟ ومع ذلك تعاونوا معه رغم ما يثمره هذا للمبتدعة من كثرة الأتباع، وعظم السواد، وأغلب الجهاد الذي شاركوا فيه كان جهاد طلب ليس فيه نفيرا عاما حتى يقال وجب عليهم الخروج معه.
فما دام أن القضية متعلقة بالسياسة الشرعية، وقواعد المصالح والمفاسد فلتبن مواقفنا في التعامل مع المخالفين على أساسها، من غير غلو ولا تفريط، وأن يكون النظر في اعتبارها خاليًا من أي مؤثرات محيطة، والله عز وجل سائل المتساهل عن حق العلم والبيان، كما أنه سائل الغالي عما استرعاه الله إياه من حقوق الناس في أعراضهم.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في"مجموع الفتاوى" (28/ 210) : ( .. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس .. ) .
وقال: (13/ 96) : (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا. وكذلك بعض الملوك قد يغزوا غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذلك كان شرا بالنسبة للقائم بالواجب، وأما بالنسة إلى الكفار فهو خير .. ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا؛ فانتقل إلى خير مما كان عليه .. ) أهـ.