فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 75

فإن تضييع فقه الاختلاف ينتج عزلًا لأهل المنهج الحق وتناقصًا في قوة نفوذهم وسلطانهم.

وقد ظهر هذا فيما تقدم عرضه مما وصل إليه تنازع المختلفين.

وحين تأخذ لمحة تاريخية لآخر القرن الثالث الهجري ترى أن الناس حين بدأوا بإهمال مقومات هذا الفقه؛ كمخاطبة العواطف والقلوب من خلال الرقائق والإيمانيات، واستخدام الرصيد الأخلاقي في التعامل مع الناس؛ كالحلم والتواضع والصبر وطلاقة الوجه، واستعمال السياسية الشرعية، واعتبار قواعد المصالح والمفاسد، والتعاون مع السلاطين، واحتمال المفاسد الدنيا لأجل المصالح العليا حتى بدأت الآثار تظهر بعد تصرم القرون المفضلة ضعفًا وتشرذما، وعلى إثر ذلك حتى بدت النتائج المرة: ظهور الشرك الأكبر بالطواف على القبور والأضرحة ودعاء غير الله؛ مما لم يكون موجودًا في القرون الأولى، وكان لأهل السنة قوة ظاهرة وتأثير في المشهد العام.

ولكن لا زالوا يعرضون عن هذه الأمور، أو يهملونها؛ فما أطل القرن التاسع إلا وقد صارت البدع العملية والاعتقادية المخالفة لمنهج القرون المفضلة ظاهرة لا يمكن إنكارها، واكتسح المخالفون لهذا المنهج من الغلاة الشارع العام، واستمرت الحال منذ ذلك القرن، إلى حين قيام الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بدعوته الإصلاحية التجديدية؛ فأحيا رحمه الله ما اندرس منه، وجدد ما عفا.

وقد ترسخ عند العامة بسبب حالة القحط في المنافحين عن هذا المنهج في هذه الحقبة، وبسبب قلة الأتباع وانتشار البدع ترسخ عندهم أن ما عليه العالم الإسلامي من هذه المفاسد الكبرى هي الحال التي كانت عليها القرون المفضلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت