ولو فقه المسلمون خطر التقليد، ووكلوا علم ما لم يحققوه إلى العلماء الربانيين، وجعلوا لهم القياد في مواجهة المخالفة وأهلها لما وقع العدوان والظلم على المخالف؛ مما اختلت به الموازين، واضطربت معه الأحكام، وتشوهت به الصورة، وأعرض عن الحق بسببه فئام من الخلق.
يقع الظلم والعدوان على المخالف بسبب العجلة وأخذ الكلام من مصادر غير معتبرة؛ إما في ورعها، وإما في ضبطها وحسن فهمها، ولهذا قال الله تبارك وتعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".
قال الإمام مالك رحمه الله كما في"التمهيد" (1/ 67) : ( .. إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد؛ فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن) .
وقال الإمام السبكي رحمه الله كما في"قاعدة في الجرح والتعديل"ص 93: (كثيرًا ما رأيت من يسمع لفظةً فيفهمها على غير وجهها؛ فيُغير على الكاتب والمؤلف ومن عاشره واستن بسنته .. مع أن المؤلف لم يرد ذلك على الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل) .
نماذج لأحكام لم يحقق الكلام فيها، واعتدي فيها بسبب ذلك على المخالف:
جعل بعضهم الفروع والأصول، أو العقائد والفقهيات هي المفرق لما يسوغ فيه الخلاف، وما لا يسوغ، وبنوا على ذلك أحكاما في التكفير، بل واستحلال عقوبته، أو حتى قتله.
وهذا التفريق بدعة أحدثها المخالفون لأهل السنة، وجعلوها سيفًا مصلتًا عليهم؛ لحملهم على أن يأخذوا بقولهم؛ فاستعدوا عليهم السلاطين، وعزلوهم بسببها من وظائفهم، وجردوهم من إمامة الناس في الصلاة، والتدريس والفتوى والوعظ.