ومن الجور في التعامل مع المخالف أن يخضع المرء في تعامله معه لتصنيف بحيث ينظر إلى الآخرين من زاوية مذهبه وحزبه وإقليمه؛ حتى لو لم يصنف هو أحدًا؛ فلن يكون عادلًا منصفًا إلا إذا جعل ميزان الحكم على الآخرين والتعامل معهم بناء على ما يقولون ويفعلون مجردًا من أي تأثيرات أخرى، وبحسب الأدلة والقواعد، وإلا سلك طريق الظلم والعدوان دون أن يدري، وإن كان دينًا صالحًا.
وأخطر ما في التصنيف هو: حين يُرسخ عند الأتباع؛ أن المصنَّف شيء"آخر"، ونوع"مختلف"حتى صار البعض يشك في تدينه وتألهه وقصده، وصار الناس يسمعون نحوًا من هذه الكلمات: رغم أنه .. إلا أنه، ونحو: ومع أنه كذا فإنه يحافظ على كذا؛ فكان الصلاح والاستقامة لا تكون إلا له، فيا لله ماذا فعلت الفرقة بأمتنا؟
تُسن الأحكام في هذه الشريعة لتؤدي مقاصدها، وكان من سعتها وشمولها أن جاء في قواعدها العامة ما يعالج بعض الحالات الخاصة بصورة استثنائية، وكانت هذه الأحكامُ الاستثنائيةُ موافقةً لهذه المقاصد، متسقة مع تلك الأهداف.
وذلك مثل قواعد تعارض المصالح والمفاسد.
وهذه بعض قواعد التعامل مع المخالف بمقتضى السياسة الشرعية:
فلا يظهر في مكان عملًا في مسألة قد استقر الناس على خلافها بحجة أن الخلاف فيها سائغ؛ فإن هذا مما يزيد الخلاف ويوسع الشقة بين المسلمين؛ كإظهار المولد في مكان أطبق الناس فيه على عدم شرعيته، لكن معرفة درجة الخلاف ينفع في معذرة المتأولين في مكان آخر.
ومن ذلك أن يؤخر في بعض الأمكنة محاربة بعض البدع العملية الجلية؛ كتأخير إنكار صلاة الرغائب من أجل معالجة شرك أكبر في الربوبية والإلهية.
كان السلف يرون امتحان المرء لإخراج مكنونات معتقداته من البدع.