جاء في"سير أعلام النبلاء" (10/ 311) أن رجلا قام إلى البخاري، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه. فأعاد عليه القول، ثم قال في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة.
وإظهار المعتقدات المستترة بامتحان الناس فيها وإن كان يُعتبر ـ بادي الرأي ـ من حرب الآراء المخالفة في وكرها، ومن كبتها قبل أن تخرج إلى الناس، أو ما يسمى بالحرب الاستباقية إلا إنها تنطوي على مفاسد أعظم من ذلك؛ فمنها:
دفع صاحبها إلى إظهارها والمنافحة عنها؛ فإن الرأي حين يكون حبيس الأضلاع فإنه لا يُنسب إلى معتقدِه، لكنه إن ظهر صار منسوبًا إليه، وأصبح أكثر استعدادا لتبنيه، والدفاع عنه. كما أنه يدفعه إلى مراغمة مخالفيه وممتحنيه بالصدع بمعتقده.
أن الممتحِن بإظهاره قول المبتدع يُكوِّن أتباعًا، أو مستمعين لصاحب البدعة؛ بل ومعجبين بطريقته؛ فكان رضاه هو بعدم إعلان خواطره خيرًا من امتحانه، وإظهارها للناس.
وقد دل هدي النبي صلى الله عليه وسلم على الإعراض عما ظهر فيما أعلنه المنافقون من كلمات الكفر، وجُعلت أسماء المنافقين سرًا عند بعض أصحابه، وما نعموا به من مزايا المجتمع المسلم بقبولهم أعضاء فيه تجري عليهم به أحكام الإسلام الظاهر، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعيانهم، ولم يوجه هذا إلا بأنه صلى الله عليه وسلم اعتبر السياسة ووازن بين المصالح والمفاسد.
فإذا كان هذا هديه فيما ظهر من الكفر فما الظن به فيما أخفاه الناس من المعتقدات؟
ونحو ذلك أن يبحث عن عقائد العلماء؛ فيجعل الشخصَ محورًا لذلك، ولا قصد له في المسألة، ويعلل بعضهم ذلك بقصد التحذير من الاغترار بكلامه، وسيأتي الكلام على عدم صحة هذا المنهج في قاعدة: توجيه التعرية للقول لا القائل.