نعم قد نحتاج إلى بعض المعلومات عن شخص ما لتزويجه أو توليته إذا كان لآرائه أو خلفياته تأثير عليه في ذلك، لكننا لا نحتاج إلى ذلك في غير هذه المسائل.
كثيرًا ما يخيل للبعض أنه يكون بذلك ذكيًا فطنًا ينتفع بهذه المعلومات في علاقته معه، وهذا قد يكون حقًا في بعض الأحيان، ولكن الأذكى هو من احتمل بعض الخسائر في ذلك ليحصل مصالح أعظم، يحلق بها في فضاء مفتوح، ويعدو معها أفق ممتد، بعيدا عن الظنون والتهم.
وإنما يجني صاحب هذه التصنيفات قطيعة وفسادا؛ كما قال أبو نهشل الطائي:
أما والراقصاتِ بذات عرق وربِ البيتِ والركنِ العتيقِ
لقد أطلقت لي تهمًا أراها… ستحملني على مضضِ العقوقِ
وفي"المعجم الكبير"للطبراني (1/ 365) بسند جيد يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"أعرضوا عن الناس ألم تر أنك إن ابتغيت الريبة في الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم".
وروى أحمد في"المسند" (3759) بسند حسن حين نقل بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمن قال في قسمته: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فقال صلى الله عليه وسلم:"لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر".
ليس الغبي بسيد في قومه ……لكن سيد قومه المتغابي
وهذا كله لو كان ما يُنسب إليه المخالف ويصنف به منقصة أو جريمة؛ فكيف لو كانت لمذهب أو رأي أو جماعة أو إقليم؟
وليحذر المرء أن يذهب لبه وديانته حين يرى حمى التصنيف، وفوضى التهم، والالتفاف حول الهويات المتنوعة؛ فيحمله ذلك على خوض هذا الغمار، والدخول تحت ذلك الغبار؛ فصاحب اللب والديانة أكرم على الله من ذلك؛ قال الطُغْرَائي:
قد رشحوك لأمرٍ إن فطنت له …فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
هذا ومن أعظم الجور في التصنيف أن نتخذ الموقف، ونتعامل مع المخالف بما لم يقله هو أو يفعله، وإنما بقول غيره أو فعله.