فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 75

والمتأمل في الواقع يلحظ أن الأزمة الحقيقية التي دعت البعض إلى انتهاج هذه الطريقة إنما هي أزمة تربوية عند الجماهير؛ حيث يرى الداعية الغيور أنه لا وقت عندهم للاستماع إلى الحجج؛ فيجعل من منهج التعرية وتسمية الأشخاص طريقة سريعة لتحريك الذهن الخامل عند هذه الجماهير مستفيدا من معرفتهم به وثقتهم فيه؛ وذلك لأن ذكر اسم المخالف أكثر حضورا وإلحاحا في ذهن المستمع من الحجة والبرهان التي تحتاج إلى ذهن حاضر ومقارنة وتأمل.

وهذه الأزمة عند المستمع ينبغي أن تعالج من جذورها بالدعوة والتربية.

ثم إن مخالفك لا يعجز عن انتهاج طريقتك عند جمهوره ومحبيه؛ فتبقى النزاعات بين الغوغاء؛ مما يزيد فرقة الأمة وتشتتها.

أما صاحب الحجة والبرهان فهو الذي يملك بهما ناصية الحقيقة بكل جدارة، وأتباعها وإن كانوا قلة إلا إنهم أعظم بركة من عامة قلوبها غلف وآذانها صم وعيونها عمي، وكما قيل في المثل: أن تقود مجموعة قليلة من الأسود خيرا من أن تقود قطيعًا كبيرا من الخراف.

وإذا ارتفعنا بعلوية طافحة الأضواء بعيدًا عن قتام المختلفين وغبار المتنازعين فإن فيما قررناه من المنهج أعظم العبودية لله حين يكون التعظيم للبرهان والدليل، وهو الذي أراده الله منا أن نودعه قلوب المدعوين؛ ليكونوا عابدين لله على بينة وبصيرة لا على تقليد وعمى؛ فههنا نجاتهم وسلامتهم.

وإذا أردت أن تقرر أصلًا من الشريعة في التعامل مع أصحاب المناهج المنحرفة فإنها لم تأت

بدليل قاطع بترك التعرية الشخصية مطلقًا، ولا باعتبارها مطلقًا، وحين ظن المختلفون وجود أحد الدليلين وقع الخلاف، والتحقيق في هذا أن القضية منوطة بمقتضى أحكام السياسة الشرعية، وقواعد المصالح والمفاسد، وهذه الأحكام ونلك القواعد تقتضي أن يكون الأصل هو ما ذكرناه، وما عداه استثناء قد يوجد سببه وقد لا يوجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت