فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 75

وفهم هذا الأصل واعتباره يجعل خلاف الناس بعد ذلك إنما هو في تحقيق المناط لا في تخريجه؛

أي: هل وجدت مصلحة تعريته أولا؛ فإذا سُلِّم هذا فالخلاف في تحقيقه مسألة يسيرة جدًا؛ لأنها مبنية على تحقق المصلحة أو عدمها، وإمكان الوصول إلى هذا سهل قريب من خلال استجلاء العبر من التاريخ القديم والمعاصر وإجراء الدراسات الكاشفة.

أما إذا فُهم أنها دلالة نصية من الشريعة لا تختلف بها الأحوال ولا الأشخاص ولا الأمكنة ولا نتائج دراسة المصالح والمفاسد فهنا قد يصل المرء إلى تعطيل مقاصد الشريعة في العلاقة مع المخالف: من احتوائه أو تقليل شره، أو تحقيق مصالح أكبر من مفسدة ترك الكلام في شخصه؛ فيحتاج الباحث إلى أن يعيد النظر في تأصيل المسألة.

ولا يشكل على هذا عند البعض إلا شدة نكير السلف من التابعين ومن بعدهم على أهل البدع، وهجرهم إياهم والتحذير منهم، وهذا غير مشكل؛ فإذا قررنا هنا أن هذه المسألة مبناها على اعتبار المصالح والمفاسد التي تُبنى على اختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، وأن الهجر والتضييق والتسمية كانت نافعة في ذلك الوقت؛ لكثرة أهل السنة وقوتهم، وضعف أهل البدع؛ فليس لأحد أن يدعي أن السلف جعلوا ذلك قاعدة لا تنخرم.

وقد نبه إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كلامه عن هجر المبتدع في"مجموع الفتاوى" (28/ 210) واعتبر هناك أن التضييق على المخالفين من أهل البدع مبناه على اعتبار المصالح والمفاسد حتى في التعامل مع البدع المغلظة؛ كالتجهم، ونقل عن أحمد أنه وجه أهل السنة في خراسان بمدارة الجهمية فيها؛ لكونها موطن نفوذهم وانتشارهم.

ويقول في هذا الموضع: ( .. وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي. وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة) .

بل ذهب في هذه الأحوال إلى التعاون معهم في أمور الجهاد والعلم؛ مما سيأتي ذكره في قاعدة لاحقة إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت