وفى (( صحيح البخارى ) )عن عبد العزيز بن صهيب قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَثَابِتٌ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ اشْتَكَيْتُ، فَقَالَ أَنَسٌ: أَلا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: بَلَى، قَالَ: (( اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلا أَنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ) ).
وفيها أنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربما بادر إلى التداوى بالأدوية المادية دفعًا لمؤذٍ عارض لا يندفع إلا بها، وأكثر ذلك كان بالحجامة، كما احتجم من الشقيقة التى صدَّعت رأسه، وهو محرمٌ مسافرٌ بين مكة والمدينة، بمكان يقال له (( لحي جمل ) )على سبعة أميال من السقيا، وقيل: بالقاحة (1) قبل السقيا بنحو ميل، بوادى يقال له (( وادى العبابيد ) ).
وربما احتمى واحترز لصحته وعافيته قبل اعتلالها وتغيرها، فكان يحتجم ثلاثًا: اثنتين في الأخدعين وواحدة على الكاهل، وأكثر ذلك لسبع عشرة أو تسع عشرة أو أحدى وعشرين من الشهر القمرى.
ويؤخذ من فعله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاها أنَّها على وجهين:
(الأولى) الحجامة الاعتيادية على سبيل الاحتياط، والتحرز من الأذى، وحفظًا للصحة، وتحفيزًا للبدن على التخلص من المؤذيات التى يضره احتقانها، فإنها ربما أحدثت سددًا لمجارى البدن الطبيعية، وأورامًا رديئة. وفى فعله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذه الحجامة لسبع عشرة أو تسع عشرة أو أحدى وعشرين من الشهر القمرى معنىً يجب التنبيه عليه، لبيان عظيم فائدتها في هذا الوقت بالتحديد.