[المسألة الثانية] قال شيخ الإسلام أبو زكريا النووى (( شرح مسلم ) ) (10/ 233) : (( وقد اختلف العلماء في كسب الحجام، فقال الأكثرون من السلف والخلف: لا يحرم كسب الحجام، ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد، وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال في رواية عنه، قال بها فقهاء المحدثين: يحرم على الحر دون العبد. واحتج الجمهور بحديث ابن عباس: أن النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم وأعطى الحجام أجره، قالوا: ولو كان حراما لم يعطه. وحملوا هذه الأحاديث التى في النهى على التنزيه، والارتفاع عن دنئ الاكساب، والحث على مكارم الاخلاق، ومعالى الأمور، ولو كان حراما لم يفرق فيه بين الحر والعبد، فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده مالا يحل ) ).
لكن يبقى إشكال، وهو: إن كان أجر الحجام حلالًا كيف جاز إطلاق لفظ الخبث والسحت عليه؟. أجاب عنه القاضى بقوله: (( الخبيث في الأصل ما يكره، لرداءته وخسته، ويستعمل للحرام من حيث كرهه الشارع، كما يستعمل الطيب للحلال قال تعالى (( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب النساء ) )؛ أي الحرام بالحلال، وقال سبحانه وتعالى (( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) )؛ أي الدنيء من المال. ولما كان مهر الزانية، وهو ما تأخذه عوضا عن الزنا حرام، كان الخبيث المسند إليه بمعنى الحرام، وأما كسب الحجام لما لم يكن حراما، لأنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم وأعطى ــــــــ