(الرابع) أن هذا قدح في أفهام الصحابة، الذين هم أعرف الناس، وأفهم الناس بمراد نبيهم، وبمقصود كلامه. وقد قال أبو موسى لرجل قال له: ألا تحتجم نهارا!، قال: أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم، وقد سمعت رسول الله يقول: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) ). والذين فطروا بذلك من الصحابة: كعلي، وأبي موسى وغيرهم، إنما يحتجون بالحديث. وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلا، منهم: عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وأبو موسى، وأنس، ويحتجون بالحديث )) .
وخلاصة القول: أن حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )صحيح لا ريب فيه، وقد ثبت العمل به زمنًا على عهد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعد زمنه، ولولا ورود الرخصة في الحجامة للصائم، بالأحاديث المتيقن ثبوتها وصحتها، لقلنا بموجب حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )، أما وقد قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) )، فقد تعين قبول الرخصة، لأنها متيقنة بعد النهي، وبهذه الرخصة جازت الحجامة للصائم.
(الأول) أنها معلولة وأن أحاديث الرخصة أمثل إسنادًا.
(الثاني) أنها منسوخة بأحاديث الرخصة.
(الثالث) أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة بل لأجل الغيبة، وذكر الحاجم والمحجوم للتعريف لا للتعليل.
(الرابع) أن الفطر فيها ليس على الحقيقة، ولكن على معنى التعرض لأن يفطر، لما يلحقه من الضعف والجهد.
(الخامس) أنه على الحقيقة، وأن مرور النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهما كان مساءًا في وقت الفطر، فأخبر أنهما قد افطرا ودخلا في وقت الفطر يعني فليصنعا ما أحبا.
(السادس) أنه تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه خبر عن حكم شرعي بفطرهما.