قال الشافعي: الذى روى مالك عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لم يذكر في حجامة النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو ولا غيره ضرورة أولى بنا من الذي رواه عن ابن عمر، ولعلَّ ابن عمر كره ذلك ولم يحرمه. ولعل ابن عمر أن لا يكون سمع هذا عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو سمعه ما خالفه إن شاء الله. أفرأيتم إن كرهتم الحجامة إلا من ضرورة؛ أتعدو الحجامة من أن تكون مباحة له كما يباح له الاغتسال والأكل والشرب، فلا يبالي كيف احتجم إذا لم يقطع الشعر، أو تكون محظورة عليه كحلاق الشعر وغيره، فالذي لا يجوز له إلا لضرورة، فهو إذا فعله بحلق الشعر أو فعل ذلك من ضرورة افتدي، فينبغي أن تقولوا إذا احتجم من ضرورة أن يفتدي، وإلا فأنتم تخالفون ما جاء عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقولون في الحجامة قولا متناقضًا )) .
قلت: وإنما قال أبو حنيفة والشافعى ما قالاه اعتمادًا على هذا الإطلاق في حديث ابن عباس، وإلا ففى رواية عكرمة عن ابن عباس ذكر ما اضطره صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذلك، وهو وجع كان برأسه، ففى (( صحيح البخارى ) ) (5071. فتح) : حدثني محمد بن بشار ثنا ابن أبي عدي عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس: احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ لُحْيُ جَمَلٍ. وقال محمد بن سواء أخبرنا هشام عن عكرمة عن ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ.