فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 136

وأما قوله (( لكل داء دواء ) )فجائز أن يكون عامًا في كل داءٍ، حتى الأدواء القاتلة، والأدواء التى يعجز أمهر الأطباء عن علاجها، فتكونُ لها أدويةٌ خلقها الله لتداويها وتبرئها، ولكن طوى الله علمها عن الخلق ولم ييسر سبل العلم بها، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، وصدق الله العظيم إذ يقول (( وفوق كل ذى علمٍ عليم ) ). وقد يقال: كثيرٌ من المرضى ربما يداوون فلا يبرءون!، فالجواب عن هذه المعارضة: أن الشفاء لا يحدث إلا بأمرين: أولهما إذن الله فيه وتقديره إيَّاه، وثانيهما موافقة الدواء الداء، فمتى تخلف واحدٌ منهما فلا، وهذا الجواب بيِّنٌ لمن علمه، وقدَّره حقَّ قدره.

وجائز أن يكون قوله (( لكل داء دواء ) )تقويةً لنفوس المرضى لمدافعة عجزهم، وللأطباء لشد أزرهم، وحثهم على طلب الدواء والتنقيب عنه، وفى ذلك فتح لأبواب الأمل أمام المرضى، فتقوى نفوسهم، وتنبعث حرارتهم الغريزية، فتقوى أبدانهم وتدافع الأدواء، وربما أبطلت قواها، وفيه فتح لأبواب الرجاء في استكشاف مستحدثات الأدوية، وطرق العلاج التى لم تسبق.

وأما قوله (( فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ ) )ففيه بيان أن الشافى حقيقةً هو الله، لا شافى إلا هو، ولهذا قالت عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: (( أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ) )، إذ الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد كمًا أو كيفًا فلا ينجح، بل ربما أحدث داءً آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت