(الثالثة) قوله (( أنه لا يراد به الفطر الموجب للقضاء، وإنما يراد به حبوط الأجر ) )، القائل بهذا كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كلابس ثوبى زور لا يسترانه، إذ كيف يحبط أجر من فعل مباحًا مأذونًا في فعله؟!، وهل عُرف من أحكام الشارع إذنه في فعلٍ، ثم معاقبة فاعله وتأثيمه؟.
(الرابعة) قال الحافظ ابن القيم: (( وأما الجواب: بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة، وذكر الحاجم للتعريف المحض كزيد وعمر، ففي غاية البطلان من وجوه:
(أحدها) أن ذلك يتضمن الإبهام والتلبيس، بأن يذكر وصفا يرتب عليه الحكم، ولا يكون له فيه تأثير البتة.
(الثاني) أن هذا يبطل عامة أحكام الشرع التي رتبها على الأوصاف، إذا تطرق إليها هذا الخيال والوهم، كقوله تعالى (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ) )و (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) )و (( واللاتي يأتين الفاحشة ) )، ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رتبت عليها الأحكام. فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام.
(الثالث) أنه لا يفهم قط أحد، لا من الخاصة والعامة، من قول القائل: القاتل لا يرث، والعبد لا يرث، والكافر لا يرث، والقاذف لا تقبل شهادته، والمحدث لا تصح صلاته، وأمثال ذلك، إلا تعلق الأحكام بتلك الأوصاف. ولهذا لا يحسن ذكر وصف لا تأثير له في الحكم، فكيف يضاف ذلك إلى الشارع، سبحانك هذا بهتان عظيم.