وفيها رد على من أنكر التداوى ومباشرة أسبابه ، وزعم جهلًا: أن الأدواء إنما حصلت بقدر الله ، وقدر الله لا يُرد ، فإن ما قضاه وقدَّره لابد من وقوعه وفق تقديره ومشيئته ، ولو كان الشفاء مقدرًا ، فإن التداوى عبث لا ينفع ! ، وهذا بعض معنى السؤال الذى أورده الأعراب ، فأجابهم رسول الله بما فيه الهدى والشفاء ، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هى أيضًا من قدر الله ، وإنما يُرد قدرُ الله بقدره ، وهذا شبيه بما رد به عمر بن الخطاب ، لما خرج إلى الشام ، فأخبروه بوقوع الطاعون بها ، فنادى في الناس أن يرجعوا ولا يدخلوها ، فَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ ، فَقَالَ عُمَرُ: (( لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ ) )، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا ، فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ) ).
قال العلامة ابن القيم (( شفاء الغليل ) ): (( وهذا موضع مزلة قدم ، من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ، ومن زلت قدمه هوى إلى قرار الجحيم ، فالنَّبىُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أرشد أمته في القدر ـــــــ