الصفحة 8 من 38

البائع إن لم يملك البيع نسيئة بسعر أعلى من سعر النقد لا يبيع سلعة لمن يحتاجها نسيئة بسعر النقد، وهذا من شأنه حصول الركود في حركة البيع والشراء في الأسواق، وتعذر حصول صاحب الحاجة الذي لا يملك النقد دائما على حاجته، ويقع بذلك في حرج وضيق، فالبائع إذا باع السلعة بالنقد فإن المبلغ الذي يقبضه يكون في حركة في الأسواق بالبيع والشراء، ويربح منه في كل صفقة مقدارًا معينًا من المال، أما إذا باعها بالنسيئة لمدة فإن مبلغ السلعة ينحبس خلال تلك المدة، ولا يستفيد منه شيئا، ويحرم مما قد يأتيه من الربح فيما لو باع السلعة نقدًا وتاجر به؛ لذا فإن من حقه أن يحسب للأجل حسابه، فيزيد في السعر عند البيع بالنسيئة المقدار الذي يتفق عليه مع المشتري بعد ملاحظة مدة التأخير في استيفاء حقه.

قالوا: ولو قلنابمنع البيع بالأجل بأكثر من الثمن النقدى لكان ينبغي منع أرباح التجار مطلقا؛ إذ لا فرق بين معجل ومؤجل في غير الربا، وفرق كبير بين بيع تتحقق فيه الحاجة وبين ربا تولد النقود فيه نقودا أوالربويات شيئا من مثلها، وهذا ممنوع بسبب وجود الاستغلال، وليس في الزيادة على الثمن النقدى أى ربا؛ لأن البيع بالثمن المؤجل يقع التبادل فيه على أشياء مختلفة عن جنسها ـ وهى السلعة المبيعة بثمنها من النقود ـ، فلا يقاس ذلك على الربا وهو نشاط تجارى مفيد يحرك السوق الاقتصادية عكس الربا الذى يضر الاقتصاد عموما، فالبيع بالأجل فيه مصلحة للبائع والمشترى فالبائع يزيد مبيعاتهوينشط الإقبال على تجارته والمشترى يحصل على السلعة باجر قليل معه ثم يكمل ثمنها على أقساط متفق عليها [1] .

كما أن هناك فرقا بين الزيادة في الثمن والربا، حيث إنالثمن الذي زيد في الربا مقابل التأجيل لم يكن دينا ثابتا في الذمة زيد فيه مقابل التأخير، بل هو ثمن المبيع، كما أن الزيادة في النسيئة جاءت تبعا لبيع السلعة لا للتأجيل في الدين، حيث جاءت مستقلة، والثمن هنا واحد لا يزيد بالتأخير، والزيادة في الربا تزيد بالتأخير، فكلما زاد الأجل زادت الفائدة، وفى التقسيط يخير المشترى بين النقد والتأجيل وفى الربا لا يخير، كما أن ثمن التقسيط كله مقابل السلعة وكان يمكن أن يكون ثمنا حالا لها، أما الربا فهي الزيادة بلا مقابل إلا الزمن [2] .

(1) والثمن المؤجل يمكن أن ينطوى على زيادة لأجل الزمن الذي له حصة في الثمن أو المخاطرة من مخاطر التخلف أو التأخير عن السداد أو تقلبات الأسعار، وكذلك لأجل الخدمة في صورة علاوة أو عمولة أو استرداد مصاريف، لكن إذا استقر الدين في ذمة المدين فلا يجوز أن يزاد فيه بعد ذلك لأى سبب من الأسباب. انظر: بيع التقسيط، د وهبة الزحيلى، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد (11) العام 1419 هـ //1998 م، ص 36، 37.بيع التقسيط، د/رفيق المصري، ص 53.

(2) وليست كل زيادة ربا، فربا البيوع رغم أنه ليس زيادة مطردة مع الأجل فهو ربا محرم، وكذا جازت الزيادة المطردة مع بيع الأجل في أجرة الوكالة المرتبطة بزمن، ومنع الأجل في الصرف وبيع الجنس بجنسه ـ ولو لم تكن زيادة ـ، فالزيادة والأجل مطردان في ربا القرض وليسا مطردين في ربا البيوع، وبذلك يتضح أن الزيادة في البيع المؤجل ليست ربا، فإن قيل: الزيادة في الثمن المؤجل كحسم الكمبيالات والسندات وهى حرام قيل: لا؛ لأن الزيادة الأولى زيادة في مبيع والزيادة الثانية زيادة في قرض فالأولى تابعة للنشاط التجارى والثانية منفصلة عن النشاط التجارى وداخلة في النشاط الائتماني الربوى والشيء قد يجوز تنبعا ولا يجوز منفردا، فإن قيل: لا تجوز الزيادة سدا لذريعة الربا فهذا غير صحيح؛ لأنه من باب المغالاة في سد الذرائع؛ ولو كان صحيحا لأمكن القول بأن صناعة الخمر من لوازم زراعة العنب، وكان لا منفعة للعنب إلا الخمر ولوحدث هذا لحرمت بيوع كثيرة مفيدة كبيع المزايدة؛ لما به من نجش، كما أن البائع مخاطر بماله في السوق؛ لأن كثيرا من الناس يماطلون في سداد الدين مما يضطر كثيرا منهم لرفع دعاوى قضائية وهى مكلفة وتأخذ وقتا طويلا لإصدار الأحكام. انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 172.بيع التقسيط، د /وهبة الزحيلى، أحكام بيع التقسيط، د. سليمانبن تركي، ص 229 - 231، البيع المؤجل ص 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت