أو تسليف مع إسقاط البعض، وهو من المعروف، ولكن لا يجوز تأخير رأس مال السلم عند الجمهور، خلافًا للمالكية، حيث أجازوا تأخيره في حدود ثلاثة أيام ولو بشرط، وقد أفتى الحنفية أن الجهالة اليسيرة لا تؤثر في صحة الأجل، فيعد كالأجل المعلوم، ولكن اشترطوا لذلك ألا يذكر هذا الأجل المجهول جهالة يسيرة في العقد، بل يكون بيعًا مطلقًا ثم يذكر الأجل بعد ذلك، فالأجل استثناء؛ لأن الأصل أن يكون الثمن حالا وأبيح الأجل لمصلحة المشترى، قال ابن عبد البر: الثمن أبدا حال إلا أن يذكر المتبايعان له أجلا، فيكون إلى أجله، فإذا خلا العقد من ذكر نوع العقد رجع إلى العرف، فإذا جرى العرف على التأجيل حصل ذلك، فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا [1] ، ولو باع مؤجلا بلا ذكر مدة في العقد انصرف لشهر أو للعرف العام الذي تعارفه الناس [2] ، فالدين إلى أجل غير مسمى يقود إلى المنازعة، ودلت سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مثل معنى كتاب الله تعالى. فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) [3] .
والحكمة في ذلك أن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم، فهذا يطالبه في قريب المدة وذاك في بعيدها، وكل ما يفضي إلى المنازعة فيجب إغلاق بابه؛ ولأنه سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود التي أمرنا بالوفاء بها حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [4] .
وإذا لم يحدد أجلا فسد البيع عند بعضهم، وصح عند البعض إن كانت الجهالة يسيرة، وجاء في حاشية ابن عابدين: (ولو باع مؤجلًا أي بلا بيان مدة بأن قال بعتك بدرهم مؤجل صرف قوله لشهر لأنه المعهود في الشرع في السلم واليمين. . .، ويبطل الأجل بموت المديون) [5] ،فلو أن الجهالة في الأجل كانت فاحشة فأبطل المشتري الأجل قبل الافتراق من المجلس ونقد الثمن جاز البيع عند الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، وعند زفر لا يجوز، ولو افترق المتعاقدان قبل إبطال الأجل، لا يجوز باتفاق فقهاء المذهب [6] وبفساد العقد عند جهالة موعد تسديد الثمن قال المالكية أيضًا، فقد عد الدردير من جملة البيوع الفاسدة ما لو اشترى شيئًا بنقد كذا وأجل ثمنه لحين ولادة الجنين الذي في بطن ناقته [7]
(1) شرح القواعد الفقهية، للشيخ /أحمد بن محمد الزرقا، ص 237.
(2) ردالمحتار 4/ 23.
(3) سبق تخريجه ص 29 من البحث.
(4) سورةالمائدة: الآية 1.
(5) حاشيةابنعابدين 4/ 531.
(6) بدائع الصنائع 5/ 178.
(7) الشرحالكبير 3/ 57.