إن الثمن في البيع المؤجل قد استقر في ذمة المدين منذ انعقاد العقد، فإذا أراد أن يؤديه قبل حلول الأجل جاز، ولكن لا يجوز للمدين أن ينقص منه شيئا مقابل هذا التعجيل (عند الجمهور) ؛ لأنه بيع الحلول، وهو لا يصح، كما لو زاده الذى له الدين مقابل التأجيل، فجمهور الفقهاء يرون عدم جواز تعجيل الدين المؤجل مقابل التنازل عن بعضه، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عبد الله وزيد بن ثابت والمقداد والحسن وسالم والحكم والشعبي وهشام بن عروة والثوري وابن عيينة وابن علية وإسحاق، وهو رواية عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب الأئمة الأربعة، وروي عن زيد بن ثابت النهي عنه، قال الجصاص: وهو قول عامة الفقهاء [1] .
واستدلوا على عدم الجواز بشيئين، أولهما: أن ابن عمر سماه ربا، ومثل هذا لا يقال بالرأي، إذ لابد أنه كان لديه دليل من الشرع على عدم الجواز، وثانيهما: أن الزيادة المشروطة في قرض الجاهلية المحرمة كانت بدل الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه [2] ، وعلل الشافعية عدم الصحة بأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي والصفة بانفرادها لا تقابل بعوض؛ ولأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها بالمؤجل، وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله، لم يصح الترك [3] ، ووجه المنع عند المالكية أن من عجل ما أجل يعد مسلفًا، فقد أسلف الآن خمسمائة ليقتضي عند الأجل ألفًا من نفسه [4] ، وكذلك الحنفية، قال الجصاص: (حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله، فإنما جعل الحط بحذاء الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه) [5] ، فإذا تعجل البعض وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدر الذي أسقطه، وذلك عين الربا، فإذَا كَانَ لَهُ أَلْفٌ مُؤَجَّلَةٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ حَالَّةٍ) فَإِنَّ َذَلِكَ اعْتِيَاضٌ عَنْ الأجَلِ وَهُوَ حَرَامٌ [6] ، قالوا: ولا يقال إن في هذه الحالة إحسانا، فالأصل أن الإحسان إذا وجد من الدائن وحده فهو إسقاط وإن وجد منهما ـ كما في هذه الصورة ـ فهو معاوضة؛ لأن المدين تنازل عن حقه في الأجل والدائن تنازل عن حقه في المال ومعاوضة الأجل بالمال حرام، على أن المعجل لم يكن مستحقا للدين حتى يقال إن استيفاءه يعتبر استيفاء لبعض حقه وإسقاطا للبعض فصار المعجل عوضا عن المؤجل في بيع خمسة بعشرة
(1) انظر: تبيين الحقائق 5/ 42.أحكامالقرآنللجصاص 1/ 467، روضةالطالبين 4/ 196؛أسنىلمطالبللشيخ زكريا الأنصاري، ط: دارالكتبالعلمية - بيروت - 1422 هـ - 2000، 2/ 216؛شرحالخرشي 6/ 3؛البهجةشرحالتحفة، ط: دارالكتبالعلمية - لبنان / بيروت - 1418 هـ - 1998 م،1/ 281.
(2) بحوث في قضايا فقهية معاصرة للقاضي: محمد تقي العثماني ص 13.
(3) أسنىلمطالب 2/ 216.
(4) البهجةللتسولي 1/ 281.
(5) أحكامالقرآن، للجصاص 2/ 186
(6) الفتاوى الهندية، 4/ 232.