له فضل عما سواه، ولهذا تسير فكرة وحدة الأديان في ركاب العولمة، لأنها لا تعترف بإطلاق كلمة الكفر على ما يناقض دين الإسلام من الأديان والمعتقدات الأخرى، ولهذا تشمئز قلوب المبشرين بالعولمة من كلمة التكفير حقا كان أو باطلا، حتى عبدة الأصنام لهم وجهة نظر ينبغي احترامها في نظر العولمة، وكذلك الفكر الارجائي يتوافق من بعض الوجوه ــ أقول من بعض الوجوه ــ مع العولمة، عندما تغبش أصوله الفاسدة رؤية الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، فكأن العولمة هي المرجئة الأم الكبيرة التي تولدت منها ابنتها، ظاهرة الإرجاء في العالم الإسلامي.
وكذلك يدعو الفكر الارجائي إلى تأخير واضعاف منزلة العمل من الإيمان، حتى يصير الإيمان صورة بلا معنى ولا أثر، فمثلا ــ في فكرهم ــ أنه مهما كان فعل الفاعل موغلا في الكفر، فانه لا يخرج المسلم من الإسلام إلا اذا اقترن بالجحود والتكذيب بالدين، فحتى لو ابطل الشريعة كلها، حتى بلغ أن أقر الشذوذ الجنسي وأجاز بتشريع أن يتزوج الرجل الرجل والمرأة المرأة في أسرة لها مشروعية قانونية كاملة، فلا يكفر فاعل ذلك ممن يدعي الإسلام، ما لم يصرح بلسانه أنه مكذب لما جاء به الرسول ـ وليت شعري ـ أي تكذيب للرسول أعظم مما صنع، ومالذي يريده أعداء هذا الدين غير هذه النتيجة العملية لابطال الشريعة، وهل يهمهم صرح بلسانه أم لا!!!
كما لا يخرج المسلم من الإسلام ـ عند المرجئة ـ تركه كل اتباع الرسول بجوراحه وراءه ظهريّا، والعولمة الثقافية كذلك تدعو إلى أن يدع المسلمون دولا وأفرادا، حكاما ومحكومين عملهم بمعتقداتهم، وألاّ ينهجوا في حياتهم كلها وفق عقيدتهم وشريعتهم كما أمر الله تعالى في القرآن (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وقال (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون) ، فهنا تشابه آخر ـ من بعض الوجوه فحسب ـ فلاجرم إذن تساوقت ظاهرة الإرجاء ذلك الفكر الفلسفي القديم في تاريخ الفرق الاسلامية في العصور الأولى، مع الدعوة إلى العولمة، وهذا يصدق النظرية القائلة أن أفكار الفرق الضالة إنما يستحث ابتداعها وقوع الأمة تحت تأثير فكري لغزو خارجي أو اضطرابات سياسية أو اجتماعية تمر بها، فتظهر هذه الآراء الضالة كالدمامل في الجسد المريض حينا من الدهر، ولهذا فهي ليست ثابتة على أساس علمي راسخ، بينما بقيت الأصول التي أجمع عليها السلف الصالح بحالها لم يؤثر فيها تقلب أحوال الأمة بين الضعف والقوة على