وذكر ابن قدامة في المغني بأنه يحتمل أن يشق بطن الأم (الميتة) إن غلب على الظن أن الجنين حيًا [650] . وقال ابن حزم الظاهري في المحلى أنه لو ماتت امرأة حامل والجنين قد جاوز ستة أشهر وكان يتحرك في بطنها تشق ويخرج منها الطفل [651] . وجاء في كتاب مغني المحتاج للعلامة الخطيب الشربيني (وهو شرح منهاج الطالبين للنووي) "أنه لو دفنت امرأة وفي بطنها جنينها حي ترجى حياته بأن يكون له ستة أشهر فأكثر نبش قبرها وشق جوفها وأخرج تداركًا للواجب لأنه يجب شق بطنها قبل الدفن، وإن لم ترج حياته لم ينبش [652] . وجاء في حاشية ابن عابدين الحنفي بأنه إذا ماتت حامل وولدها حي يضطرب يشق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها، ولو مات الولد في بطنها وهي حية وخيف على الأم قطع الولد وأخرج [653] ."
وعلى هذا الأساس أباح الفقهاء في الإسلام، منذ عدة قرون، شق بطن الحامل الميتة لإخراج جنينها الذي له ستة أشهر فما فوق إذا ترجح حياة الولد في بطنها. فإذا كان الجنين حيًا يتحرك، فإنه يشق بطنها دون انتظار ويخرج الولد. لأن مصلحة إنقاذ الحي أعظم من مفسدة هتك حرمة الميت، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [654] . كما أن القواعد الكلية الشرعية تقضي أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، فإنها تسمح شرعًا بشق بطن الحامل الميتة لإخراج جنينها الحي [655] .
104 -وقد انتهى الفقه المعاصر إلى إجازة شق بطن الأم الميتة، التي ماتت حاملًا، والجنين حي يتحرك في أحشائها وترجى حياته بعد إخراجه، وذلك لأن هذا الشق يطابق وظيفة الأم الطبيعية ولا يكون فيه تشويه أو تمثيل لجثتها، كما أنه إعمالًا للقواعد الشرعية: الضرورات تبيح المحظورات، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف التي يسندها الكتاب والسنة والإجماع [656] .