فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 289

قال الله تعالى

(( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ) [1]

أي جاء الموت بشدته وغمراته التي تذهب العقول وتذهل الفطن، وعاين الإنسان أمور الآخرة، ونزلت إليه الملائكة لنزع روحه من جسده، فعندئذ إذا تكون معاينة الأهوال ..

(( ذلك ما كنت منه تحيد ) )هذا الموت الذي كنت منه تحيد أي تهرب وتفزع

قال سيد قطب رحمه الله:

(( وجاءت سكرة الموت بالحق. ذلك ما كنت منه تحيد ) )

والموت أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه، أو يبعد شبحه عن خاطره. ولكن أنى له ذلك: والموت طالب لا يمل الطلب، ولا يبطئ الخطى، ولا يخلف الميعاد ... وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب في الأوصال!

وبينما المشهد معروض يسمع الإنسان: (( ذلك ما كنت منه تحيد ) )

وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة!

فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات!

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: «سبحان الله. إن للموت لسكرات» .

يقولها وهو قد اختار الرفيق الأعلى واشتاق إلى لقاء الله. فكيف بمن عداه؟

ويلفت النظر في التعبير ذكر كلمة الحق: (( وجاءت سكرة الموت بالحق ) )

وهي توحي بأن النفس البشرية ترى الحق كاملًا وهي في سكرات الموت. تراه بلا حجاب، وتدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد

ولكن بعد فوات الأوان حين لا تنفع رؤية، ولا يجدي إدراك، ولا تقبل توبة، ولا يحسب إيمان. وذلك الحق هو الذي كذبوا به فانتهوا إلى الأمر المريج!. . وحين يدركونه ويصدقون به لا يجدي شيئًا ولا يفيد. [2]

(1) سورة"ق" (19)

(2) في ظلال القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت