(لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي) قال الحكيم: إنما لم يفلت منها أحد لأن المؤمن أشرق نور الإيمان بصدره لكنه باشر الشهوات وهي من الأرض والأرض مطيعة وخلق الآدمي وأخذ عليه الميثاق في العبودية فيما نقض من وفائها صارت الأرض عليه واجدة فإذا وجدته ببطنها ضمته ضمة فتدركه الرحمة وعلى قدر مجيئها يخلص فإن كان محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين وقيل هي ضمة اشتياق لا ضمة سخط. [1]
قال السندي:
ضَمَّة الْقَبْر وَضَغْطَته: عَصْرُهُ وَزَحْمَتُهُ، قِيلَ وَالْمُرَاد اِلْتِقَاء جَانِبَيْهِ عَلَى جَسَد الْمَيِّت، قَالَ النَّسَفِيّ يُقَال إِنَّ ضَمَّة الْقَبْر إِنَّمَا أَصْلُهَا أَنَّهَا أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغَيْبَةَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا رُدُّوا إِلَيْهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّة الْوَالِدَة غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا فَمَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا ضَمَّتْهُ بِرَأْفَةٍ وَرِفْقٍ وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سَخَطًا مِنْهَا عَلَيْهِ لِرَبِّهَا. [2]
عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
(( مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالُوا: أَوْصِنَا فَقَالَ:
إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَأْكُلَ إِلا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ )) [3]
في الحديث الْحَثّ عَلَى الاكتساب مِنْ الْحَلَال , وَالنَّهْي عَنْ غَيْره. وَفِيهِ: أَنَّ الْمَشْرُوب وَالْمَأْكُول وَالْمَلْبُوس وَنَحْو ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَة فِيهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ::
(( مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، لَيْسَ مِنْ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى إِلا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ) [4]
وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ ) ) [5]
(مِنْهُ خُلِّقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ) أَيْ أَوَّل مَا خُلِقَ مِنْ الإِنْسَان هُوَ ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُبْقِيه إِلَى أَنْ يُرَكِّبَ الْخَلْقَ مِنْهُ تَارَة أُخْرَى
وعنه: (( إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْمًا لا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجْبُ الذَّنَبِ ) ) [6]
وَعَنْ أبي سعيد الخدري عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الإِنْسَانِ إِلا عَجْبَ ذَنَبِهِ، قِيلَ: وَمِثْلُ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ تَنْبُتُونَ ) ) [7]
(أَبَيْتُ) أَيْ اِمْتَنَعْت عَنْ الْقَوْل بِتَعْيِينِ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ تَوْقِيف، فلا أَقُول مَا لَمْ أَسْمَع , وَبِالْفَتْحِ أَيْ أَنْ أَعْرِف ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْب.
وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم أَرْبَعِينَ سَنَة وَلا وُجُود لِذَلِكَ
(1) فيض القدير (5/ 389)
(2) حاشية السندي على سنن النسائي (2/ 291)
(3) رواه البخاري في الأحكام باب من شاق شق الله عليه (7152) ، ومسلم في الزهد (5302) ، وابن ماجه في الزهد (4197) ، وأحمد (18055)
(4) رواه البخاري في تفسير القرآن باب قوله"يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا" (4925) ، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (5253) ،
(5) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة باب ما بين النفختين (5254) ، والنسائي في الجنائز (2050) ، وأبو داود في السنة (4118) وابن ماجه في الزهد (4256) ، وأحمد (7934) ، ومالك في الجنائز (503)
(6) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة باب ما بين النفختين (5255)
(7) رواه أحمد (1800) ، وقال الهيثمي في الزوائد (5/ 13) : إسناده حسن، ورواه أبو يعلى والحاكم وابن حبان.