فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 192

الإيمان، أو بما يدل على التوحيد من الأمثال، ومؤداها شيء واحد، لأن مقصود المثل الدعوة للتوحيد، والتوحيد على قواعد أهل السنة والجماعة قول وعمل، لا يقبل أحدهما دون الآخر.

وقد رأى القرطبي ومن وافقه أن المراد من تفسير المثل الأعلى بالشهادة الوصف بالوحدانية، أي وحدانية الذات والصفات. وهذا غير مسلم، لأن الشهادة إنما تدل مطابقة على إفراد الرب بالعبادة، لأن الإله بمعنى المعبود، كما نص على ذلك علماء السلف وعلماء اللغة. والظاهر أن تفسير المثل الأعلى بكلمة التوحيد، أو بمعناها وما يدل عليها من باب تفسير اللفظ بمقتضاه، لأن التفرد بالكمال المطلق يستلزم إفراد الموصوف به بجميع أنواع العبادة، وعلى ذلك يكون مرادهم أنه المعبود في السماوات والأرض، لما تفرد به من الكمال المطلق الذي يستحيل معه المثل، والله أعلم.

الثالث: أن المثل الأعلى بمعنى النزاهة عن المثل إما مطلقا، كما يؤثر عن ابن عباس، أو مقيدا بصفة الولد، كما ذهب إليه ابن الجوزي ومن وافقه، اعتمادا على سباق المثل الأعلى في قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [1] .

ونفي المثل محقق لإثبات الكمال المطلق، كما أن إثبات الكمال المطلق محقق لنفي المثل، ولذلك أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير المثل الأعلابالصفة العليا، كما تقدم في القول الأول وأثر عنه أيضا تفسيره بانتفاء

(1) - النحل: 57 - 60

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت