قال ابن القيم -رحمه الله- (وهو يعدد بعض الشواهد من الكتاب والسنة لقاعدة ذكرها وهي أن المقاصد والنيات معتبرة في التصرفات والعادات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات) :"ومن ذلك: قوله تعالى: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [1] فهذا دليل على أنه إذا عضلها لتفتدي نفسها منه وهو ظالم لها بذلك؛ لم يحل له أخذ ما بذلته له ولا يملكه بذلك." [2]
التعليق والإيضاح:
يبين الإمام ابن القيم أنه لا يجوز للزوج أن يضارّ زوجته، أو يظلمها ويمنعها حقوقها، لأجل أن تفتدي منه، وهذه حيلة على الطلاق يفعلها بعض الأزواج إذا كره امرأته ليرجع بما أعطاها من الصداق، وقد اتفق الفقهاء على حرمة هذا الافتداء وأنه لا يجوز له أخذ هذا المال بهذه الطريقة، وإنما جاز الافتداء إذا كان النشوز من جهة الزوجة فخافت ألا تقيم حدود الله مع زوجها، مع الإشارة إلى أن الفقهاء اختلفوا في الذي يترتب على مثل هذا الخلع إذا كان النشوز من جهة الزوج [3] .
(1) - سورة النساء، آية (19) .
(2) - إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، ابن القيم، [1/ 643 - 644] .
(3) - انظر: في المذهب الحنفي: المبسوط للسرخسي [6/ 183] ، وبدائع الصنائع، للكاساني [3/ 150] . المذهب المالكي: المدونة الكبرى [5/ 335] ، والكافي، لابن عبد البر [1/ 276] . المذهب الشافعي: روضة الطالبين للنووي [7/ 374] ، ونهاية المحتاج، للرملي [6/ 393] . المذهب الحنبلي: الإنصاف للمرداوي [8/ 383] ، والمغني لابن قدامة [7/ 248] . وقد نص الحنفية والحنابلة على أن الخلع باطل والعوض مردود، والمالكية على رد العوض ويلزمه الطلاق، وهل يكون الطلاق بائنًا أو لا على قولين أرجحها عندهم أنه طلاق رجعي. ونص النووي من الشافعية على نفاذ الخلع مع الكراهية وإثم الزوج. ونص الرملي على بطلان الخلع إذا قصد الضرار وإن لم يقصد وقع ويأثم في الحالين.