ذلك جليًا في مناقشته للمسائل وأخذه بالدليل وإن خالف في المسألة من خالف، فمن ذلك قوله بعد حديثه عن مسألة المحرمات بالرضاع وترجيحه لعدم حرمة نظير المحرمات بالمصاهرة من الرضاع [1] :"... فهذا منتهى النظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجة، فليرشد إليها، وليدل عليها، فإنا لها منقادون وبها معتصمون" [2] ، وقال عنه الإمام الشوكاني:"وليس له على غير الدليل معوَّل في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى المذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة كما يفعله غيره من المتمذهبين، بل لابد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف والميل مع الدليل حيث مال وعدم التأويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث وطوَّل ذيوله، أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما تنشرح له صدور الراغبين في أخذ مذاهبهم مع الدليل، وأظنها سَرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تيمية في السراء والضراء، والقيام معه في محنته ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه" [3] .
لقد حظي ابن القيم بمكانة علمية مرموقة، كما وضع له القبول في حياته، وفي مؤلفاته بعد مماته والواقع شاهد بذلك وشهرته تغني عن الحديث عن مكانته العلمية، وحسبنا ها هنا إشارات تدل على ذلك، وسأكتفي بثلاث وقفات تبين شيئًا من مكانته العلمية:
الوقفة الأولى: ثناء العلماء عليه:
أثنى عليه من ترجم له سواء كان من تلامذته أم من غيرهم فمن هؤلاء:
(1) سيأتي الحديث عن هذه المسالة في مبحث المحرمات بالنكاح من الباب الثاني.
(2) زاد المعاد [5/ 125] .
(3) البدر الطالع، الشوكاني [2/ 144 - 145] .