يُقَرِّر أنَّ (لا) ردٌّ لكلامٍ سابق، أو يقول: إنَّ المعنى (أُقْسِمُ) مُتجاهِلا معنى (لا) ، أو يتجاهل الصيغة مُتَجَاوزا تفسيرها [1]
أمَّا ابْنُ كثير، فَيُقَرِّرُ في موضعٍ، أنَّ (لا) زائدةٌ وفي موضعٍ آخر، يقول: إنَّ (لا) ردٌّ لكلامٍ سابقٍ وفي غيرهما، يتجاهل تفسير صيغة (لا أُقْسِمُ) [2] .
ومن المفسِّرين من لَمْ يَكْتَفِ بالتَّنَقُّل بين معاني (لا) التي لا تُؤَثِّر في معنى ما بعدها، بل تجاوز هذا الأمر إلى ذكر معانٍ متناقضةٍ في صيغة (لا أُقْسِمُ) فتراه في موضعٍ مِنْ مواضعها يقول بزيادة (لا) والمعنى بعدها (قَسَم) ، وفي موضعٍ آخر يقول بكونها نافيةً، أي نفي القسم الوارد بعدها، مما يُظْهِر اضطراب المفسِّر وعدم تمكُّنه من حسم الأمر، والتوصُّل إلى معنًى ثابتٍ ومستقرٍ.
وممَّن وقع في هذا التناقض الزمخشري، ففي تفسيره قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [3] بيَّن في بداية كلامه أنَّ (لا) زائدة مؤكدة، وفنَّد قراءة (لأُقْسِمُ) بقوله: (( {فَلَا أُقْسِمُ} معناه فأُقْسٍمُ و(لا) مزيدة مُؤَكِّدَة مثلها في قوله تعالى: {لِئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [4] وقرأ الحسن (فلأُقْسِمُ) ومعناه فلأَنَا أُقْسِمُ ... )) [5] . وذكر في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [6] أنَّ المعنى (قَسَمٌ) من غير أنْ يُفَسِّر (لا) وَيُبَيِّنُ حقيقتها، إذ قال: (( هو إقسام بالأشياء كلِّها على الشمول والإحاطة لأنَّها لا تخرج من قسمين، مُبْصَر وغير مُبْصَر ... ) ) [7] .
أمَّا مواضع نفي القسم في سور المعارج والتكوير والانْشقاق، فقد تجاهل صيغة (لا أُقْسِمُ) في هذه السور، وانْتَقَل إلى تفسير ما بعدها [8] .
ونجده في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [9] قد تَبَنَّى رأيًا في (لا) يُنَاقِضُ رَأْيَه في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} ، فبعد أنْ ذكر ما قيل في
(1) ينظر تفسير الطبري (27/ 303 - 304) ، (29/ 65 - 66، 172 - 173) ، (30/ 119 - 125) ، ... (29/ 87 - 88، 30/ 73 - 79)
(2) ينظر تفسير ابن كثير (4/ 298،448 - 449) ، (4/ 424، 512) ، (4/ 418، 479، 490)
(3) الواقعة: 75
(4) الحديد: 29
(5) الكشاف (4/ 58)
(6) الحاقة: 38 - 39
(7) الكشاف (4/ 154) ، وينظر (4/ 255)
(8) ينظر الكشاف (4/ 160، 223، 230)
(9) القيامة: 1 - 2