المَطْلَبُ الثَّانِيْ:
أَقْوَالُ المُفَسِّرِيَن الذِيْنَ عَرَضُوا الآرَاءَ فَقَطْ
أجملت في هذا المطلب عرض أقوال المفسرين في صيغة (لا أُقْسِمُ) الذين لم يكن لهم تعليقٌ عليها أو إشارةٌ إلى ترجيح رأيٍ على آخر. ويبدو لي أنَّ هذا النمط في التفسير وسيلة من وسائل الإبهام والتعمية وتشتيت المفاهيم، لأنَّ تَعدُّد الآراء أمام القارئ من غير ترجيح رأيٍ على رأي بعثرةٌ للمعاني وإضاعةٌ لها، ومما لا شكَّ فيه أنَّ الآيات القرآنية تتصف بالوحدة الموضوعيَّة، فإذا لم يتَّصل معنى آيةٍ بما قبلها وبما بعدها، فليس لذكر المعنى أهميةٌ في السياق، هذا فضلا عن أنَّ المفسِّر حين يسرد المعاني ولا يبدي رأيه فيها، لا يعدّ عمله إلا نقلا عمَّن سبقه أو جمعًا للآراء وعرضًا لها.
ومن هذا النمط في التفسير: قول الماوردي مثلا في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [1] : (( وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه إنكار أنْ يقسم الله بشيء من مخلوقاته، قال الضحَّاك: إنَّ الله لا يُقْسِم بشيءٍ من خلقه ولكنَّه اسْتفتاحٌ يفتتح به كلامه. الثاني: انَّه يجوز أنْ يُقسم الخالق بالمخلوقات تعظيمًا من الخالق لما أَقْسَمَ به من مخلوقاته فعلى هذا في قوله(فلا أُقْسِمُ) وجهان: أحدهما: أنَّ (لا) صلة زائدة، ومعناه (أقسم) . الثاني: أنَّ قوله (فلا) راجع إلى ما تقدَّم ذكره، ومعناه، فلا تُكذِّبوا ولا تَجْحَدُوا ما ذكرته من نعمةٍ وأظهرته من حجَّةٍ، ثم اسْتأنف كلامه فقال (أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوْمِ) ، وفيها ستَّة أقاويل: أحدها: أنَّها مطالعها ومساقطها قاله مجاهد. الثاني: انْتشارها يوم القيامة وانْكدارها قاله الحسن. الثالث: أنَّ (مَوَاقِعَ النُّجُوْم) السماء قاله ابن جريح. الرابع: أنَّ مَوَاقِعَ النُّجُومِ الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مُطِروا قالوا: مُطرنا بنوء كذا قاله الضحَّاك ويكون قوله (فلا أُقْسِمُ) مستعملا على حقيقته في نفي القسم بها. الخامس: أنَّها نجوم القرآن أنزلها الله من الّوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة ونجمه جبريل على محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، عشرين سنة، فهو ينزله على
(1) الواقعة: 75