مقدَّرٍ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ بقوله أُقْسِمُ ... )) [1] فـ (لا) في رأي السبحاني إمَّا ردّ لكلامٍ مسبوقٍ ولم يحدِّده، أو ردّ لكلامٍ مقدَّرٍ ولم يذكره.
ومن المفسِّرين من قَدَّر المُقْسَم عليه الذي نفي بـ (لا) بما ليس له صلة بالآيات الواردة في السورة، نحو قول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُون} [2] (( أي الذي خلق السموات والأرض وجعل مشرقا ومغربا وسخَّر الكواكب تبدو في مشارقها وتغيب في مغاربها وتقديرالكلام ليس الأمر كما يزعمون أنْ لا معاد ولا حساب ولا بعث ولا نشور بل كلّ ذلك واقع وكائن لا محالة، ولهذا أتى بـ(لا) في ابتداء القسم ليدلَّ على أنَّ المُقْسَمَ عليه نفي وهو مضمون الكلام وهو الردّ على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة، وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى مَا هو أبلغ من إقامة القيامة وهو خلق السموات والأرض وتسخير ما فيهما من المخلوقات. )) [3] .
وسيأتي الكلام على هذه الآية الكريمة وما يتعلَّق بها من الآيات في باب أغراض نفي القسم، إنْ شاء الله تعالى.
الاتجاه الثاني: تَأْييد مَعَنى نَفْي القَسَمِ: أي أنَّ (لا) في صيغةِ (لا أُقْسِمُ) هي نفي لفعل القسم الوارد بعدها، وقد ورد هذا المعنى في معظم التفاسير على أنَّه رأي من الآراء المذكورة في معنى (لا أُقْسِمُ) ، ولكنَّني في هذا النوع جمعت الأقوال في المواضع المختلفة التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) على أَنَّهَا نفيٌ للقسم وأنَّ (لا) نافية لا غير.
من ذلك قول شهاب الدين الهائِم المصريّ في تفسير قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [4] (((وأنت حِلٌّ) أي حَالٌّ ساكنٌ أي لا أُقْسِمُ به بعد خروجه منه. (كَبَد) الكَبَد الشِّدَّة والمُكَابَدة لأُمور الدنيا والآخرة. )) [5] .
أمَّا سيِّد قطب، وهو مِن المفسِّرين المُحْدَثِين؛ فَقَد أَعْطَى إشراقات لمعنى نفي القسم في الآيات التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) بصورة ما كانت لِتَتِمَّ في عصورٍ سابقةٍ، لأنَّه عاش في زمنٍ تطوَّر العلم فيه وازْدَهر
(1) مفاهيم القرآن (9/ 393)
(2) المعارج: 40
(3) تفسير ابن كثير: (4/ 424)
(4) البلد: 1
(5) التبيان في تفسير غريب القرآن (463)