وظهر للإنسان كثيرٌ ممَّا كان غامضًا أو غيرَ معلومٍ، ولذا نجده في تفسيره لقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [1] قد اسْتعان بما اكْتُشِفَ بعد تطوُّر العلم وتقنيات البحث بما يُثْبِتُ معنى نفي القسم في الآية الكريمة فقال: (( لم يكن المخاطبون يومذاك يعرفون عن مواقع النجوم إلا القليل الذي يُدركونه بعيونهم المجرَّدة. ومن ثَمَّ قال لهم: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} . فأمَّا نحن اليوم فندرك من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمُقْسَمِ به نصيبًا أكبر بكثيرٍ ممَّا كانوا يعلمون، وإنْ كنَّا نحن لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم وهذا القليل الذي وَصَلْنَا إليه بمراصِدِنا الصغيرة، المحدودة المناظيْر، يقول لنا: إنَّ مجموعةً واحدةً من مجموعات النجوم التي لا تحصى في الفضاء الهائل الذي لا نعرف له حدودًا، مجموعة واحدة هي المجرَّة التي تُنسب اليها أُسرتنا الشمسية تبلغ ألف مليون نجم! ويقول الفلكيون إنَّ مِنْ هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدَّة بلايين نجم، ما يُمْكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يُرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أنْ تَحسّ به الأجهزة دون أنْ تراه هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أيُّ احتمالٍ أنْ يقترب مجالٌ مغناطيسي لنجم من مجالِ نجمٍ آخر، أو يصطدم بكوكبٍ آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتْجاهٍ واحدٍ وبسرعةٍ واحدةٍ، وهو احتمالٌ بعيدٌ، وبعيدٌ جدًا إنْ لَمْ يَكُن مُسْتَحِيْلا [2] ... وكلُّ نجمٍ في موقعه المُتباعد عن موقع إخوته، قد وُضِعَ هناك بحكمةٍ وتقديرٍ، وهو منسَّق في آثاره وتأثُّراته مع سائر النجوم والكواكب لتتوازن هذه الخلائق كلّها في هذا الفضاء الهائل.
فهذا طرف من عظمة مواقع النجوم, وهو أكبر كثيرًا جدًا ممَّا كان يعلمه المخاطبون بالقرآن أوَّل مرَّة. وهو في الوقت ذاته أصغر بما لا يقاس من الحقيقة الكليَّة لعظمة مواقع النجوم.
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} فالأمر أوضح وأجلى من أنْ يحتاج إلى قسم. {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} وهذا التلويح بالقسم والعدول عنه أسلوب ذو تأثير في تقرير الحقيقة التي لا تحتاج إلى القسم لأنَّها ثابتةٌ واضحةٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [3] ) [4]
(1) الواقعة: 75 - 77
(2) ينظر القرآن وإعجازه العلمي (62)
(3) الواقعة: 77 - 80
(4) في ظلال القرآن (27/ 143 - 144)