وقد سار محمَّد تقي المدرسي على النهج نفسه في إدخال المعارف والنتائج الجديدة في تفسير الآية الكريمة وزاد: (( وإنَّما يُدرك عظمة قسم الله بمواقع النجوم الذي يطَّلِع على مثل هذه الحقائق، أمَّا الذي يجهلها فإنَّ القسم بها عنده، ليس ذا أهمية {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} فكلَّما تقدَّم الإنسان خطوةً في العلم كلَّما ظهرت وتأكَّدت له عظمة هذا القسم ... ونخلص إلى القول بأنَّ عدم قسمه مباشرةً بها يعود إلى أمرين رئيسين:
أحدهما: إنَّ القسم بشيءٍ يحقِّق غرضه حينما تكون عظمته معروفة عند الطرف المقابل.
والآخر: إنَّ الناس في الجاهلية كانوا يعتقدون في النجوم ومواقعها بالخرافات والشرك فلم يُقسم الله بها كي لا تَتَعَمَّق اعتقاداتهم الباطلة. )) [1] .
إنَّ أهمَّ ما ينماز به تفسير القائلين بمعنى (نفي القسم) في صيغة (لا أُقْسِمُ) الربط المميَّز بين الآيات التي تسبق نفي القسم والآيات التي تليها، وتسخير ذلك كلّه بما يخدم المعنى ويؤكده.
ففي تفسير المدرسي لقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [2] نجد هذا الأمر واضحًا جليًا ومقنعًا في الوقت نفسه إذ قال: (( والتَّمهيد لأيِّ حديث بالقسم أو بالإشارة للقسم يؤكِّد أهميَّته وعِظَمَ شأنه، وإذ لا يقسم الله فذلك يدلُّ على أنَّ ما يريد قوله وبيانه غاية في الوضوح، بحيث لا يحتاج لإقناع الآخرين به إلى القسم، ولكنَّه في الأثناء يلفتنا إلى حقيقة علميَّة واقعيَّة وهي أنَّ الحياة لا تتلخَّص في ما يراه الإنسان ببصره بل لها جانبان: جانبٌ ظاهرٌ يحضر عنده بحواسِّه الماديِّة، وآخر خفيٌّ مغيَّبٌ يحتاج إلى العلم والبصيرة النافذة لكي يشاهده, وكأنَّه بذلك يسْتَحِثُّنَا نحو توسيع معارِفِنَا والتطلُّع إلى الوجه الآخر في الحياة، فهل نكفر بوجود الميكروبات والفيروسات لأنَّنا لا نراها بأعيننا؟ كلا لأنَّ ذلك لا يُغَيِّر من الواقع شيئًا فهي موجودةٌ رغم ذلك، وهكذا فإنَّ من يكفر بالآخرة لأنَّه لا يراها بعينه فإنَّه من الخاطئين، ومن هذه الزاوية يوصل القرآن الآيتين الآنفتين بتأكيده على أنَّ الرسالة ليست من بنات أفكار النَّبي، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، إنَّما هي متَّصِلة بالغيب حيث جبريل الأمين يتنَزَّل بمفرداتها كلمة
(1) من هدى القرآن (14/ 452 - 454)
(2) الحاقة: 38 - 39