والحال أنَّه أَقْسَمَ بدليل جواب القسم بعده {إِنَّا لَقَادِرُونَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ} [1] ... )) [2]
وقوله في تفسيره قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [3] (( تقدّم الكلام على هذه اللام ... إلا أنَّها هنا ليست للنفي، لأنَّ الله تعالى قد أَقْسَم بهذا البلد في موضع آخر، وهو قوله تعالى {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [4] لأنَّ هذا البلد المراد به مكَّة إجماعًا ... ) ) [5] .
إنَّ الأدلَّة التي ذكرها (محمَّد الأمين) في تفسير معنى القسم في صيغة (لا أُقْسِمُ) ضعيفة وغير مقنعةٍ، ففي سورة المعارج كان دليله على معنى القسم في الآية، قوله تعالى: {إِنَّا لَقَادِرُونَ} واكتفى بهذا القدر من الشرح، وعلى القارئ أنْ يعرف كيف تكون الآية الكريمة دليلا على القَسَم؟ ومن ثمَّ دليلا على زيادة (لا) !!.
أمَّا في سورة البلد فقد أعطى المفسِّر نفسه دليلا مختلفا لإثبات معنى القَسَم في الآية وهو أنَّ الله تعالى قد أقسم (بالبلد الأمين) في سورة التين.
وممَّا لا شكَّ فيه، أنَّ القرآن يفسِّر بعضه بعضا، غير أنَّ (محمَّد الأمين) لم يلتفت إلى صفة (الأمين) التي التصقت بالقسم بالبلد في سورة التين وافترقت عن البلد في سورة البلد، وفاته الالتفات إلى عناصر كثيرة في السورتين تجعل المعنى في الآيتين وما بعدهما مختلفا، لأنَّ للقسم الصريح بالبلد في سورة التين سببًا وأهدافًا وتوقيتًا معينًا، ولنفي القسم بالبلد في سورة البلد سببٌ وأهدافٌ وتوقيتٌ، وسأثبت هذا الأمر في حديثي عن سورة البلد في موضع قابل إنْ شاء الله تعالى.
ومن المفسِّرين من وقع في التناقض من غير أنْ يشعر وهو يحاول تطبيق معنى القسم بشكل قَسْرِيّ على الآيات التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) نحو قول الماورديّ: (( {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [6] ومعناه على أصحِّ الوجوه: أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ. وفي(البلد) قولان: أحدهما: مكَّة، قاله ابن عباس. الثاني: الحرم كلّه، قاله مجاهد. {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [7] فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حِلٌّ لك ما صنعته في هذا البلد
(1) المعارج: 40 - 41
(2) أضواء البيان (8/ 518 - 519)
(3) البلد: 1
(4) التين: 1 - 3
(5) أضواء البيان (9/ 223)
(6) البلد: 1
(7) البلد: 2