وبعض الكوفيين (لَتَرْكَبُنَّ) بالتاء وبضم الباء على وجه الخطاب للناس كافَّة أنَّهم يركبون أحوال الشدَّة حالا بعد حال ... وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتاء وبفتح الباء ... وإذا كان الصواب في القراءة في ذلك ممَّا ذكرنا فالصواب في التأويل قول من قال لَتَرْكَبَنَّ أنت يا محمد حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد. )) [1]
فالواضح من تفسير الطبري لهذه الآيات الكريمة أنَّه لم يتعرَّض لذكر الرابط بين المُقْسَمِ به وجواب القَسَمِ، فضلا عن أنِّي لم أفهم من تفسيره معنًى مترابطًا للآيات أو إشراقةً مبهجةً، وكلّ ما وجدته في هذا النصِّ أنَّه أورد المعاني جافَّة مُفَكَّكَة، كأنه يفسِّر آيات من سور مختلفة وليست في سورة واحدة، فشتَّت معانيها وفرط عقدها المنظوم المُعْجِز في تعانق المعاني واتِّصال بعضها ببعض.
ومن المفسِّرين من جزم بمعنى القسم وزيادة (لا) في كل المواضع التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) في القرآن الكريم بأقوالٍ مختصرةٍ سريعةٍ من غير ذكر دليل يُؤَكِّد كلامه أو يدعم اختياره، ومن غير إشارةٍ إلى الغرض من القسم وأثره في الآيات بعده، نحو قول الواحديّ: (( فلا أُقْسِمُ(لا) زائدة (بِمَوَاقِعِ النُّجُوْمِ) [2] مساقطها ومغاربها وقيل أراد نجوم القرآن )) [3] .
وقوله: (((فلا أُقْسِمُ) (لا) زائدة (بما تُبْصِرُوْن) ما تَرَوْنَ من المخلوقات (وما لا تُبْصِرُون) [4] ما لا تَرَوْنَ منها )) [5] .
واسْتعمل الواحديّ الأسلوب نفسه في تفسير الآيات التي وردت فيها صيغة (لا أُقْسِمُ) في (سورة المعارج والتكوير والانشقاق والبلد) [6] .
ومن المفسِّرين من حاول الاسْتِدلال على معنى القسم في صيغة (لا أُقْسِمُ) ولكنَّ دليله كان ضعيفًا، نحو قول محمَّد الأمين في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} [7] (((فلا أُقْسِمُ) ظاهره النفي،
(1) تفسير الطبري (30/ 119 - 125) ، وينظر تفسير الطبري لسورة البلد (30/ 193)
(2) الواقعة: 75
(3) تفسير الواحدي (2/ 1063 - 1064)
(4) الحاقة: 38 - 39
(5) تفسير الواحدي (2/ 1129 - 1130)
(6) ينظر تفسير الواحدي (2/ 1134، 1178، 1187 - 1188، 1203)
(7) المعارج: 40