وبعد: فحين نطَّلِع على التوجيهات النحويَّة والدلاليَّة لهذه القراءة نشعر كأنَّنا ندور في حلقةٍ مفرغةٍ، لأنَّ القواعد النحويَّة تُؤَثِّر بشكلٍ كبيرٍ، في توجيه المعنى, ولذا نجد المفسِّرين، كلَّما وجدوا ثغرةً جوَّزوا اسْتِثْناءً، أو افْترضوا افْتِراضات على القياس لسدِّ هذه الثغرة فتظهر من جراء ذلك ثغرات وهكذا ... ونجد من المفسِّرين من رفض هذه القراءة ولم يُجَوِّز غير قراءة الجمهور على فصل (لا) عن الفعل (أُقْسِمُ) وقد أشرت إليهم في بداية الرأي.
ونجد فريقًا آخر من المفسِّرين اعْتَرضوا على جعل اللام في قراءة (لأُقْسِمُ) لام القسم, منهم:
الزمخشري بقوله: (( لا يصحّ أنْ تكون اللام لام القسم لأمرين: أحدهما: أنَّ حقها أنْ يُقْرَن بها النون المُؤَكِّدَة، والإخلال بها ضعيفٌ قبيح. والثاني: أنَّ لَأَفْعَلَنَّ في جواب القسم للاسْتِقبال، وفعل القسم يجب أنْ يكون للحال ) ) [1] .
وابْن الجوزي بقوله: (( قال الزجَّاج من قرأ(لأُقْسِمُ) فاللام لام القسم والتوكيد، وهذه
القراءة بعيدة في العربية لأنَّ لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا مع النون تقول: (لأَضْرِبَنَّ زَيْدًا) ولا يجوز (لأَضْرِبُ زَيْدًا ) ) ) [2] .
والرازي بقوله: (( وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة, وقال: لوكان المراد هذا لقال(لأُقْسِمَنَّ) لأنَّ العرب لا تقول (لأَفْعَلُ كَذَا) , وإنَّمَا يقولون: (لأَفْعَلَنَّ كَذَا) , إلا أنَّ الواحدي حكى جواز ذلك عن سيبويه والفرَّاء، واعلم أنَّ هذا الوجه أيضًا ضعيفٌ, لأنَّ هذه القراءة شاذة فهب أنَّ هذا الشاذ استمرَّ, فما الوجه في القراءة المشهورة المتواترة؟ ولا يمكن دفعها وإلا لكان ذلك قدحا فيما ثبت بالتواتر، وأيضا فلابدَّ من إضمار قسمٍ آخر لتكون هذه اللام جوابًا عنه, فيصير التقدير: والله لأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ, فيكون ذلك قسمًا على قسم, وإنَّه ركيكٌ، ولأنَّه يفضي إلى التسلسل )) [3] .
ومن هنا نخلص إلى أنَّ لام القسم إذا دخلت على الفعل المضارع فإنَّها تخلِّصه للاستقبال، ويجب حينئذٍ أنْ تلحقها النون, ويكون القسم على أمرٍ لم يَتِم بعد كقولك (والله لأَذْهَبَنَّ) . ونحن نفهم من اجتماع اللام والنون في الفعل المستقبل وجود قسم
(1) الكشاف (4/ 58) ، وينظر تفسير القرطبي (17/ 223)
(2) زاد المسير (8/ 415) ، وينظر تفسير النسفي (4/ 299) ، روح المعاني (27/ 152)
(3) تفسير الرازي (30/ 215) ، وينظر فتح القدير (5/ 335) ، فتح البيان (10/ 149)