فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 258

ثم إنَّ الغرض من القسم التوكيد [1] وهذا الغرض واضح في الآية الكريمة لورود فعل القسم (أُقْسِمُ) ، والمُقْسَمُ به (يوم القيامة) ، ودخول لام الابْتِداء على (أُقْسِمُ) لغرض التوكيد لا تزيد المعنى توكيدًا.

التوجيه الثاني لـ (اللام) في قراءة (لأُقْسِمُ) قائم على جعل اللام للقسم دخلت على فعل الحال (أُقْسِمُ) ، ولذا لا تحتاج إلى إلحاق نون التوكيد بها. وقد تبنَّى هذا الرأي أبو حيَّان، بعد أنْ عرض الآراء التي قيلت في القراءة المشهورة (فلا أُقْسِمُ) ، على نحو ما ذكرت آنفًا، وذكر أنَّ ابْن جنِّي خَرَّج هذه القراءة على (( تقدير مبتدأ محذوف أي(فلأَنَا أُقْسِمُ) [2] وتَبِعه على ذلك الزمخشري، وإنَّما ذهبا إلى ذلك لأنَّه فعل حال وفي القَسَم عليه خلاف. فالذي اخْتَاره ابْن عصفور وغيره أنَّ فعل الحال لا يجوز أنْ يُقْسَمَ عليه فاحْتَاجوا إلى أنْ يُصَوِّروا المضارع خبرًا لمبتدأ محذوف، فتصير الجملة اسميَّة فَيُقْسَم عليها، وذهب بعض النحويين إلى جواز القسم على فعل الحال وهذا الذي أختاره فتقول: والله لَيَخْرُج زَيْدٌ )) [3] .

والذي يبدو لي في هذه القراءة, على الرغم من ورودها في بعض كتب التفسير رأيًا مرجوحًا ضمن آراء قيلت في صيغة (لا أُقْسِمُ) ، أنَّ من قال: إنَّ التقدير في القراءة (لأَنَا أُقْسِمُ) قدَّر دخول لام الابتداء على مبتدأ محذوف هربًا من الإشكال الظاهر في الفعل (أُقْسِمُ) إذ يراه فعل حال, وهذا لا يُؤَهِّله لدخول لام القسم عليه إلا مع نون التوكيد, ونون التوكيد غير موجودة في الآية الكريمة فاختار هذا التوجيه الذي تقدَّم الكلام على الخلل في الاعتماد عليه.

غير أنَّ أبا حيَّان حين وجد عند بعض النحويين تجويز دخول لام القسم على فعل المستقبل من غير لحاق نون التوكيد به، فضلا عن جواز دخولها على فعل الحال دون لزوم النون, رجَّح أنْ تكون لام القسم قد دخلت على فعل الحال.

وهذا في رأيي يمكن أنْ يُفَسَّر على أنَّه حالة هرب من إشكالات قراءة الجمهور على (لا) منفصلة عن الفعل (أُقْسِمُ) لأنَّها قد تكون نافيةً للقسم, أو ردًا لكلامٍ سابقٍ, أو زائدةً, أو استفتاح كلامٍ, إلى آخر ما قيل في (لا) المفصولة. فقرَّر ترجيح قراءة (لأُقْسِمُ) على أنَّ اللام للقسم.

(1) ينظر اللمع في العربية (286) ، شرح المفصل (9/ 90)

(2) ينظر المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (2/ 341)

(3) البحر المحيط (8/ 213)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت