والآخر: ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته [1] .
فالأول هو الذي سبق الكلام عليه في المبحث الأول، وأنه المراد بالمتشابه الذي ذكر في آية سورة آل عمران.
وأمَّا الآخر فهو إطلاق أطلقه بعض العلماء على ما لايعلمه أحد من الناس، وإنَّما يعلمه الله وحده، فيكون المراد بالمتشابه على هذا معرفة حقائق بعض الأمور لا تفسير ألفاظها، فليست آيات صفات الله تعالى متشابهة من حيث فهم معانيها، بل معانيها مفهومة حقًا، ولكنها متشابهه من حيث حقائقها، فإن حقائقها لايعلمها إلاَّ الله وحده [2] .
ومن جنس ذلك أيضًا حقائق ما ذكره الله مِمَّا في الآخرة من النعيم والعذاب، قال تعالى: ? فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ = 17 ? [السجدة: 17] .
ويوضح ذلك أننا نجهل حقائق كثير من الأشياء التي نتحدث عنها في هذه الدار الدنيا، ونرى ونسمع آثارها كالنوم والروح والكهرباء وغير ذلك، لكن إن ذكرت هذه الألفاظ فهمنا تفسيرها، ولايعني جهلنا لحقيقة الشيء أننا نجهل تفسيره، فمعنى اللفظ مفهوم، وحقيقة المسمى به مبهمة [3] .
وقد أطلنا في تقرير ما سبق ردًّا لما يزعمه بعض الناس من أن ? تأويل ? المتشابه الذي في القرآن الذي لايعلمه أحد من الناس هو تفسير الألفاظ، ثُمَّ قالوا إن مذهب السلف في هذا المتشابه هو أنه لايعلمه إلاَّ الله وسمّوا هذا المذهب مذهب المفوّضة [4] ، وجعلوا من المتشابه بهذا المعنى صفات الله، وهذا زعم باطل،
(1) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/ 442.
(2) انظر: تفصيل هذه المسألة في مجموع الفتاوى لابن تيمية 13/ 294 ومابعدها.
(3) انظر: كتاب الواضح في أصول الفقه للدكتور محمد سليمان الأشقر ص 72، 73.
(4) هذا ما ذهب إليه وادّعاه الزرقاني في مناهله 2/ 306، 307، وانظر الرد عليه في كتاب القول الرشيد في حقيقة التوحيد لسليمان العلوان ص 50 - 53.