كيفياتها وليست من المتشابه باعتبار معانيها [1] .
والذي دفعني للتنبيه على هذا الأمر هو أهميته في فهم كلام ابن عبدالبر الذي سبق ذكره، وهو قوله: (الكلام في صفة الباري كلام يستبشعه أهل السنة، وقد سكت عنه الأئمة، فما أشكل علينا من مثل هذا الباب وشبهه أمررناه كما جاء، وآمنا به، كما نصنع بمتشابه القرآن، ولم نناظر عليه، لأن المناظرة إنَّما تسوغ وتجوز فيما تحته عمل، ويصحبه قياس، والقياس غير جائز في صفات الباري تعالى، لأنه ليس كمثله شيء) [2] ا هـ.
فكلامه هذا يحمل على الكلام في صفات الباري من حيث الكيفية والحقيقة، لا من حيث بيان المعنى المفهوم منها؛ لأنه - رحمه الله - قد بيّن في مواضع أخرى معاني بعض الصفات.
ومن ذلك مثلًا: أنه لما تكلم عن صفة الاستواء على العرش الثابتة لله عزوجل، وبيّن مذهب السلف الصالح فيها ورد على المخالفين قال: (والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه.
قال أبو عبيدة [3] في قوله تعالى: ? ا؟ سْتَوَى ? قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت.
وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد.
قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله عزوجل وقال: ? لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ÷ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ا؟ سْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ? [الزخرف: 13] وقال: ? وَا؟ سْتَوَتْ عَلَى ا؟ لْجُودِيِّ (? [هود: 44] وقال: ? فَإِذَا ا؟ سْتَوَيْتَ أَنتَ
(1) انظر: كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة لمحمد الجيزاني ص 112.
(2) التمهيد 19/ 231، 232.
(3) هو: أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري اللغوي العلامة الأخبار، صاحب التصانيف، روى عن هشام ابن عروة وأبي عمرو بن العلاء، وكان أحد أوعية العلم، مات سنة 210 هـ وقيل: 211 هـ. انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي 1/ 282، وتهذيب التهذيب 4/ 126، 127، وانظر قوله هذا في كتابه مجاز القرآن 2/ 15.