ولايعرف ذلك بدليل عقلي ولا بقياس) [1] .
قال ابن عبدالبر - رحمه الله: (ولايقطع بنسخ شيء من القرآن إلاَّ بدليل لا معارض له أو إجماع) [2] ا هـ.
قال الشاطبي - رحمه الله: (الأحكام إذا ثبتت على المكلف فادعاء النسخ فيها لايكون إلاَّ بأمر محقق؛ لأن ثبوتها على المكلف أولًا محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لايكون إلاَّ بمعلوم محقق) [3] ا هـ.
ومن أمثلة هذه القاعدة ما ذكره ابن عبدالبر - رحمه الله - في سياق كلامه عن خلاف العلماء في حكم الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا، حيث قال: (وقال آخرون: واجب على الحاكم أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه إذا تحاكموا إليه، وزعموا أن قوله عزوجل: ? وَأَنِ ا؟ حْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ا؟ للَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ? [المائدة: 49] ناسخ للتخيير في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وبه قال الزهري وعمر بن عبدالعزيز [4] ، والسدي [5] ، وإليه ذهب أبو حنيفة [6] وأصحابه، وهو
(1) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة لمحمد بن حسين الجيزاني ص 258.
(2) الاستذكار 1/ 367.
(3) الموافقات في أصول الشريعة 3/ 79.
(4) هو: عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم، الإمام، الحافظ، العلامة، المجتهد، الزاهد العابد، أمير المؤمنين حقًا، أبو حفص، القرشي الأموي المدني ثُمَّ المصري، الخليفة الزاهد الراشد، كان من أئمة الاجتهاد ومن الخلفاء الراشدين - رحمة الله تعالى عليه -، كان إمامًا عادلًا ومحدثًا مأمونًا، وفقيهًا عالمًا، يُضرب به المثل في الزهد والعبادة، والعدل والأمانة، كانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأيامًا، وكان مجدد الإسلام في زمانه، مات سنة 101 هـ. انظر: سير أعلام 5/ 114 - 148.
(5) هو: إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة، الإمام المفسِّر، أبو محمد، الحجازي، ثُمَّ الكوفي، من علماء الجرح والتعديل من وثّقه، ومنهم من جعله صادق الحديث، إلاَّ أنه كان من أعلم الناس بالتفسير، مات سنة 127 هـ، وأمَّا السدّي الصغير فهو محمد بن مروان الكوفي، أحد المتروكين. انظر: سير أعلام النبلاء 5/ 264، 265.
(6) هو: الإمام، فقيه الملة، عالم العراق، أبو حنيفة، النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، مولى بني تيم الله ابن ثعلبة، إليه المنتهى في الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، والناس عيال عليه في ذلك، أول الأئمة الأربعة، وكان ثقة عابدًا وقورًا حسن السمت حليمًا عاقلًا ذكيًا، وسيرته حافلة بالفوائد، ومناقبه وفضائله كثيرة، مات سنة 105 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 6/ 390 - 404.