التفسير العام:
{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أي: ماكثين في جهنم أبدًا على الدوام ما دامت السماوات والأرض، قال الطبري: إن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام قالت: هذا دائمٌ دوام السماوات والأرض بمعنى أنه دائم أبدًا، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم. قال ابن زيد: ما دامت السماء سماءً، والأرض أرضًا والمعنى خالدين فيها أبدًا. وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن تراه سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد والثاني: أن يكون عن التأبيد ونفي الانقطاع {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} الاستثناء في أهل التوحيد [1] لأن لفظ (شقوا) تعم الكفار والمؤمنين، فاستثنى الله من خلود أهل الشقاوة والعصاة من المؤمنين فإنهم يطهرون في نار جهنم ثم يخرجون منها بشفاعة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - ويدخلهم الله الجنة، ويقال لهم {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: 73) .
{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} أي: يفعل عز وجل ما يريده فيرحم ويعذب كما يشاء ويختار وفق رحمته وعدله، لا معقب لحكمه، ولا راد ولا مانع لقضائه، ولا يسأل سبحانه عما يفعل ويختار.
الأحكام والفوائد والدروس:
1 -اختلف في تأويل قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} .
أ- قالت طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما، والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك، وفي التنزيل: {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} (الزمر: 74) ، وقد ورد أن للآخرة سموات وأرض غير هذه.
ب- قالت طائفة: أراد به السماء والأرض المعهودتين مع ثبوت زوالهما يوم القيامة، وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده كقولهم: هو دائم ما دامت السموات والأرض، وقولهم: لا أتيناك ما جن الليل، أو ناح الحمام ... إلخ.
والمعنى: أنهم خالدون فيها أبدًا لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له.
ج- عن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش وأن السموات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه فهما دائمتان أبدًا في نور العرش.
2 -اختلف المفسرون وأهل العلم في معنى الاستثناء في قوله {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} إلى أقوال كثيرة منها:
الأول: أنه من قوله {فَفِي النَّارِ} كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك. وهو قول أبي النضرة وأبي سعيد الخدري.
(1) هذا اختيار الطبري وهو أحد أوجه عشرة ذكرها المفسرون في معنى الاستثناء.