فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 932

وَفِي إِظْهَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّأْفَةَ الْمَذْكُورَةَ، لُطْفٌ بِأُمَّتِهِ، وَبَاعِثٌ عَلَى رَحْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا اِنْتَهَى. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ لِمَنْ مَاتَ مُظْهِرًا لِإِسْلَامٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَقَدُهُ صَحِيحًا، وَهَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ.

3 -لقد وضح العلماء أن نزول هذه الأية جاء متراخيا أولها عن آخرها مما يزيل اللبس في فهم الأية"وَالتَّرْجِيحُ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ جَيِّدٌ، وَأَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي قِصَّتِهِ: {إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت، إِلَّا أَنَّ فِي بَقِيَّةِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نُزُولَ ذَلِكَ وَقَعَ مُتَرَاخِيًا عَنْ الْقِصَّةِ، وَلَعَلَّ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا وَتَمَسَّكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} إِلَى هُنَا خَاصَّةً، وَلِذَلِكَ اِخْتَصَرَ فِي جَوَابِ عُمَرَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَعَلَى ذِكْرِ السَّبْعِينَ، فَلَمَّا وَقَعَتْ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْغِطَاءَ وَفَضَحَهُمْ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ وَنَادَى عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُتَأَمِّلُ الْمُنْصِفُ وَجَدَ الْحَامِلَ عَلَى مَنْ رَدَّ الْحَدِيثَ أَوْ تَعَسَّفَ فِي التَّأْوِيلِ ظَنَّهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ} نَزَلَ مَعَ قَوْلِهِ: {اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أَيْ نَزَلَتْ الْآيَةُ كَامِلَةً، لِأَنَّهُ لَوْ فَرَضَ نُزُولَهَا كَامِلَةً لَاقْتَرَنَ بِالنَّهْيِ الْعِلَّةُ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ قَلِيلَ الِاسْتِغْفَارِ وَكَثِيرُهُ لَا يُجْدِي، وَإِلَّا فَإِذَا فُرِضَ مَا حَرَّرْته أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ نَزَلَ مُتَرَاخِيًا عَنْ صَدْرِ الْآيَةِ لَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَحُجَّةُ الْمُتَمَسِّكِ مِنْ الْقِصَّةِ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ صَحِيحٌ وَكَوْنُ ذَلِكَ وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَمَسِّكًا بِالظَّاهِرِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي الْأَحْكَامِ إِلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ الصَّارِفُ عَنْ ذَلِكَ لَا إِشْكَالَ فِيهِ اِنْتَهَى." [1]

4 -جمع الامام ابن حجر طرقا مختلفة للحديث مما يزيل اشكالية الفهم: وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة وَغَيْره عَنْ عُبَيْد اللَّه الْعُمَرِيّ فِي قَوْل عُمَر"أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك اللَّه عَنْ الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ"وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحَلّ النَّهْي، فَوَقَعَ بَيَانه فِي رِوَايَة أَبِي ضَمْرَة عَنْ الْعُمَرِيّ، وَهُوَ أَنَّ مُرَاده بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ الِاسْتِغْفَار لَهُمْ وَلَفْظه"وَقَدْ نَهَاك اللَّه أَنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ"قَالَ وَفِي قَوْل اِبْنِ عُمَر"فَصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ"أَنَّ عُمَر تَرَكَ رَأْي نَفْسه وَتَابَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ اِبْنِ عُمَر حَمَلَ هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَاسِطَة، بِخِلَافِ اِبْنِ عَبَّاس فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهَا عَنْ عُمَر إِذْ لَمْ يَشْهَدهَا. َ النَّصّ مُحْتَمِلًا. وَفِيهِ جَوَاز تَنْبِيه الْمَفْضُول لِلْفَاضِلِ عَلَى مَا يَظُنّ أَنَّهُ سَهَا عَنْهُ، وَتَنْبِيه الْفَاضِل الْمَفْضُول عَلَى مَا يُشْكِل عَلَيْهِ، وَجَوَاز اِسْتِفْسَار السَّائِل الْمَسْئُول وَعَكْسه عَمَّا يَحْتَمِل مَا دَارَ بَيْنَهُمَا [2] "."

(1) - تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 420)

(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 13 / ص 111)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت