إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن حبير عن ابن عباس وفي حديث عبد الله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم ومن ثم قال القائلون من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم علي التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك قال: لهذا قال (وإذ أخذ ربك من بني آدم) ولم يقل من آدم (من ظهورهم) ولم يقل من ظهره (ذريتهم) أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كقوله قال (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) [1]
وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ} وقال: {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} ثم قال: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} أي: أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا. والشهادة تارة تكون بالقول، كما قال [تعالى] {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} الآية، وتارة تكون حالا كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذلك قوله تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، كما في قوله: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، ... فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه .. وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل ذلك علي أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد [2]
وبهذا يتبين أن المقصود بالاشهاد هو فطرهم على التوحيد وسؤاله لهم يوم القيامة عما أودعه فيهم من هذه الفطرة التي جبلوا عليها. الى هذا المعنى ذهب الامام القرطبي وابن عطية حيث نقل ذلك القرطبي وعلق بقوله:
قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لان يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الاعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) " [3] فذكر الابوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة."
(1) سورة الأنعام الآية 165. [النمل:62] [الأنعام:133] [الأنعام:130] [التوبة:17] العاديات:7] [إبراهيم:34]
(2) انظر تفسير بن كثير ج 3 ص 503 بتصرف.
(3) صحيح البخاري - كتاب الجنائز (ج 5 / ص 182) صحيح مسلم -كتاب القدر (ج 13 / ص 127)