فيستطيع حينئذ أن يعرف المتقدم من المتأخر بفهم حال الناس, وإذا كان الإنسان من أهل الجهالة بحال الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهل الجهل بتقلب الزمن, والحالة التي كانوا عليها من بلد إلى بلد, ومن حال إلى حال, ومن غنى إلى فقر, فإنه يجهل هذا الفقه، وهو من جهة الأصل قد نجمل أن الإنسان لا يمكن أن يدرك هذا المعنى إلا بأمور: الأمر الأول: أن يعرف البلد التي نزلت فيه السورة حتى يستطيع حينئذ أن يميز, وسبب ذلك أن آي القرآن لها معانٍ في أبواب العقائد, ومعانٍ في أبواب الأحكام, ومعانٍ في فروع الأحكام, ومعانٍ في فروع العقائد, وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفرق بينها. الأمر الثاني: أن لغة أو مصطلح الناس ربما يتباين وإن كان شيئًا يسيرًا بين مكة والمدينة, ولكن يتباين في حال غيره, فثمة مصطلحات أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤول على كلام أهل المدينة, فإذا عرفنا المكي من المدني استطعنا أن نعرف السياقات التي أرادها الله سبحانه وتعالى بفهم معاني ذلك البلد، فنستطيع حينئذ بمعرفتنا بنزول الآي في بلد من البلدان أن نفهم لغة ذلك البلد, فنستطيع حينئذ أن نعرف مراد الله جل وعلا بإرجاع ذلك إلى معاني ذلك البلد. فنرجع إلى مصطلحات المدينة, ويمكن أن نعرف مصطلحات المدينة بالرجوع إلى الصحابة من المدنيين على سبيل المثال بفقه أهل الاختصاص من الأوس والخزرج, فنعرف كلامهم وسياقاتهم، فنخرج تلك الألفاظ التي يريدون مما تضمن في كلام الله, ونعرف المعنى الذي قصد من كلامه جل وعلا. وهذا من أعظم ما يجعل الإنسان من أهل التأويل ومن أهل الإدراك. الأمر الثاني مما يحتاجه الإنسان بعد النقطة الأولى في ما يعينه في معرفة الحال العامة: أن يعرف الأفراد الذين نزلت فيهم هذه الآية, وهذا أيضًا من المهمات, فثمة آي نزل في أهل الكتاب. وثمة آي نزل في المشركين, وثمة آي نزل في أهل الإيمان.