المعتنون من أصحاب عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى في أبواب التفسير كما تقدم هم جمع, منهم من اعتنى في أبواب الأحكام كسعيد بن جبير , ومنهم من اعتنى في أبواب أسباب النزول كعكرمة مولى عبد الله بن عباس , ومنهم من اعتنى بهذا وهذا ولكنه قد أكثر من العناية في أبواب المترادفات كما جاء عن مجاهد بن جبر عليه رحمة الله. وقد تقدم التفريق بين مجاهد بن جبر و عكرمة في أبواب أسباب النزول, وهذا له أثر فيما تكلمنا عليه هنا.
ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن يلتفت إليها أن العلماء الأوائل -أعني: من طبقة التابعين وكذلك أتباع التابعين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا يعتنون بأسباب النزول كعناية المتأخرين, ولهذا فإن المصنفات في ذلك قليلة عند المتقدمين, ويوجد مصنفات في هذا كمصنف ميمون بن مهران فله مصنف في أسباب النزول, ويوجد أيضًا لعلي بن المديني وهو في أوائل القرن الثالث وفي أسباب النزول, ولكن ما هو أوسع من ذلك بتفسير المترادفات لم يكونوا يعتنون بأسباب النزول كعنايتهم بذلك. والسبب في هذا أن العلماء اعتنوا بأبواب المترادفات وهذا هو الأصل، باعتبار أن لفظ القرآن عام وليس بخاص, والعناية بأسباب النزول تعطي طالب العلم معرفة لسياق الحكم الذي أنزله الله جل وعلا وفهم الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لذلك السياق لا أن تزيد حكمًا لديهم, وذلك لسلامة اللسان وكذلك الفصاحة والبيان التي وهبهم الله جل وعلا إياها, فليسوا بحاجة لمثل ذلك, لهذا يضعف لديهم العناية بأسباب النزول. وكذلك أيضًا فإن أسباب النزول الخاصة التي يعتني بها الرواة باعتبار أن ذلك نزل بهم فيعتنون برواية ذلك وحكايته أنهم يعتنون بأسباب النزول إذا كانت في فرد أكثر من عنايتهم بسبب نزول عام, وذلك لأن سبب النزول الخاص مما يحفظ ويضبط, يحفظه الراوي وكذلك من يتصل به نسبًا.