فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 95

فَقَالَ ابنُ العَبَّاسِا: لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ عَزَاءً قَط؛ فَالمُصَابُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ مِنْ رَبِّ الأَرْبَابِ، وَلَيْسَ المُصَابُ مَنْ فَقَدَ الأَحْبَابَ! وَهَا هُوَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ [1] عِنْدَمَا فَقَدَ رِجْلَهُ فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ، قَدْ أَخَذَ وَاحِدَةً وَأَنْعَمَ بِبَقَاءِ الأُخْرَى، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَمْشِ بِهَا إِلَى الحَرَامِ أَبَدًا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَكَ وَقَعَ مِنْ عَلَى الجِدَارِ فَوَقَصَتْهُ النَّاقَةُ فَمَاتَ، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ إِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ ابْنًا فَقَدْ تَرَكْتَ الآخَرِينَ؛ فَلَكَ الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَخَذْتَ، وَلَكَ الحَمْدُ عَلَى أَبْقَيْتَ، هَكَذَا يَكُونُ الإِيمَانُ وَقْتَ المصِيبَةِ، فَاللهُ أَنْعَمَ عَلَيْكَ طُوَالَ عُمُرِكَ كُلِّهِ فِي ثَلاثِينَ أَوْ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ ابْتَلاَكَ بِمَرَضٍ أَوْ فَقْدِ عَزِيزٍ؛ فَهَلْ تَجْزَعُ وَلاَ تَصْبِر؟!

اللهُ يُعَوِّضُكَ خَيْرًا مِنْ مُصِيبَتِكَ

بِصَبْرِكَ عَلَى المصِيبَةِ فَإِنَّ اللهَ يُعَوِّضُكَ خَيْرًا مِنْهَا؛ فَعَنْ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ [2] : «اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ قَالَ: فَمَاتَ؛ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا، وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمبِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا، قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلادٍ؛ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ [3] » .

بَشَائِرُ عَظِيمَةٌ لِلنِّسَاءِ الثَّكَالَى

(1) عروة بن الزبير، أبوه الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، وكان إذا أصيب بمصيبة يصبر ويحتسب ويسترجع، ويتذكر نعم الله عليه؛ فَلُقِّبَ بالصابر المحتسب.

(2) (صحيح) البخاري 1301.

(3) الابن المذكور هو أبو عمير الذي كان النبي يمازحه ويقول له"يا أبا عمير ما فعل النغير."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت