وَأَمَّا الفِعْلُ فاهْتَدِ بِهَدْيِ نَبِيِّكَ سَيِّدِ الأنَامِ، فَلَنْ تَجِدَ أَعْظَمَ مِنْهُ قُدْوَةًصلى الله عليه وسلم، فَيَا مَنْ تَصْبِرُ عَلَى قَضَاءِ اللهِ أَبْشِرْ، وَيَا مَنْ يَسْخَطُ عَلَى قَضَاءِ اللهِ أَقْصِرْ، فَلاَ تَغْضَبْ وَلاَ تَسْخَطْ؛ فَالغَضَبُ لَهُ عَوَاقِبُهُ السَّيِّئَةُ عَلَى الإِنْسَانِ، فَهُوَ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ ثَائِرًا، لاَ يُفَكِّرُ بِهُدُوءٍ، وَلاَ يَعْقِلُ الأُمُورَ، لِذَلِكَ فَقَدْ أَوْصَى رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلمأَحَدَ صَحَابَتِه ا بِقَوْلِهِ [1] : «لاَ تَغْضَبْ، لاَ تَغْضَبْ، لاَ تَغْضَبْ» ذَلِكَ لأَنَّ رِضَاكَ أَوْ غَضَبَكَ لَنْ يُؤَخِّرَ أَوْ يُقَدِّمَ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؛ وَالسَّبَبُ بِكُلِّ يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ أَنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» فَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ فَوْقَهَا المَاءُ، وَفَوْقَ المَاءِ العَرْشِ، وَصَدَقَ رَبُّنَا إِذْ يَقُولُ: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب38] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال42] أَيْ: مِنْ رِزْقٍ وَأَجَلٍ وَمَرَضٍ وَصِحَّةٍ وَقَدَرٍ وَقَضَاءٍ، فَكُلُّ شَيْءٍ مَكْتُوب، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ [2] : «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»
لِمَنْ تَشْكُو؟!
الصَّبْرُ عَلَى قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ مِنْ حُسْنِ الإِيمَانِ بَلْ هُوَ رُكْنٌ رَكِينٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ؛ كَتَبَهَا اللهُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تُوْلَدَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لا شَكْوَى إِلا للهِ، أَتَشْكُو مَنْ إِلَى مَنْ؟! تَشْكُو اللهَ وَقَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ إِلَى العِبَادِ، إِنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟! تَشْكُو مَنْ يَرْحَمُكَ إِلَى مَنْ لا يَرْحَمُكَ، تَشْكُو اللهََ إِلَى عَبْدٍ فَقِيرٍ مِثْلِكَ، لا يَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْكَ ضُرَّا وَلا أَنْ يَجْلِبَ لَكَ نَفْعًا، وَفِي ذَلِكَ قِيلَ:
وإذَا شَكَوْتَ إلى ابْنِ آدَمَ؛ إنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى مَنْ لا يَرْحَمُ
الأَمْرُ لَيْسَ لِوَلِيٍّ وَلاَ لِنَبِيٍّ
(1) (صحيح) : أحمد 6543، مسلم 2653، الترمذى 2156.
(2) (صحيح) : البخارى 3208، مسلم 2643، أبو داود 4708.