فَلا نُرِيدُ أَنْ نُجَمِّلَ المصِيبَةَ، وَلاَ نُرِيدُ أَنْ نَنْسبَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الطَّبِيعَةِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد11] فَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ المسْلِمِينَ لاَ يُبَالِي بِهَذِهِ الآيَاتِ، وَيُصَرِّحُ بِأَنَّهَا ظَوَاهِرُ طَبِيعِيَّةٌ وَلاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِالمَعَاصِي؛ فَالرَّسُولُ نَفْسُهُ كَانَ يَخَافُ الآيَاتِ وَيَلْجَأُ إِلَى رَبِّهِ يَدْعُوهُ؛ فَهَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لاَ يَفْهَمُ الظّوَاهِرَ الطَّبِيعِيّةَ؟! إِذًا .. فَكُلُّ شَيْءٍ لاَ يَقَعُ فِي هَذَا الكَوْنِ الفَسِيحِ إِلاَّ بِأَقْدَارِ اللهِ .. فَلَوْ نَزَلَت مُصِيبَةٌ فاَعْلَمْ أَنَّ هُنَاكَ مِنَ البَشَرِ خَلَلًا مَا وَقَعَ أَوْ ذَنْبًا اُرْتُكِبَ، أَوْ بُعْدًا عَنْ ذِكْرِ اللهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه124] فَمَا يُرْسِلُ رَبُّكَ آيَاتِهِ إِلاَّ تَخْوِيفًا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء59] وَلَوْ أَنَّ اللهَ يُؤَاخِذُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ لأَهْلَكَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل61] فَإِمْهَالُ اللهِ لَهُمْ رَحْمَةٌ؛ لِيَتُوبُوا، وَمَا رُفِعَ الذَّنْبُ إِِلاَّ بِتَوْبَةٍ، وَشَاهِدِي مِنَ القُرْآنِ مَا حَدَثَ لِقَوْمِ يُونُسَ، قَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ العَذَابُ كَمَا يَغْشَى الثَّوْبُ الجِسْمَ؛ فَلَمَّا صَحَّتْ تَوْبَتُهُم رَفَعَ اللهُ عَنْهُمُ العَذَابَ، قَالَ تَعَالَى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس98] قَالَ القُرْطُبِيُّ: لَمَّا وَعَدَهُمْ نَبِيُّهُمْ يُونُسُ العَذَابَ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ خَرَجَ عَنْهُم، فَأَصْبَحُوا فَتَفَقَّدُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ فَتَابُوا قَبْلَ رُؤْيَةِ عَلاَمَةِ العَذَابِ، وَقَالَ الزَّجَاجُ: المعَايَنَةُ الَّتِي لاَ تَنْفَعُ مَعَهَا التَّوْبَةُ هِيَ التَّلَبُّسُ بِالعَذَابِ كَمَا حَدَثَ مَعَ فِرْعَوْنَ؛ لأَنَّهُ آمَنَ حِينَ رَأَى العَذَابَ وَأَيْقَنَ بِهِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْ رَأَى قَوْمُ يُونُسَ عَيْنَ العَذَابِ مَا نَفَعَهُمُ الإِيمَانُ؛ لِذَا يُطْلَبُ مِنّا دَوَامُ التَّوْبَةِ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور31] ؟