أَلَمْ أَقُلْ لَكَ -أَيُّهَا الحَبِيبُ اللَّبِيبُ- رُبَمَا يَكُونُ مَا وَرَاءَ الابْتِلاَءِ وَالتَّمْحِيصِ مَا لَيْسَ وَرَاءَ الصّحةِ وَالعَافِيَةِ؟! فَهَذِهِ المرْتَبَةُ هِيَ ثَمَرَةُ التَّمْحِيصِ وَالتَّطْهِيرِ؛ فَأَبْشِرْ وَاعْلَمْ -أَيُّهَا المُبْتَلَى- أَنَّ اللهَ يُحِبُّكَ، فَمَنْ يَكْرَهُكَ؟! إِذَا أَحَبَّكَ اللهُ، فَحُبُّ اللهِ يَتْبَعُهُ حُبُّ جِبْرِيلَ عليه السلام ثُمَّ حُبُّ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُوْضَعُ لَكَ القَبُولُ فِي الأَرْضِ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَصِلَ إِلَيْهِ مِنْ خِلالِ كَلِمَاتِي هَذِهِ أَنْ أُطَمْئِنَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- كُلَّ مُبْتَلًى مُسْلِمٍ، وَأَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ؛ فَأَنْتَ مِنَ المكَرَّمِينَ المقُرَّبِينَ إِنْ شَاءَ اللهُ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر10] وَمَا يُؤَكِّدُ مَرْتَبَتَكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَنَّ أَهْلَ العَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الابْتَلاءَاتِ فِي الآخِرَةِ كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] : «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ» سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ! هَذَا يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مُبْتَلَيًا -وَأَنْتَ مُبْتَلًى- يَتَمَنَّى أَنْ يَصِلَ إِلَى ثَوَابِكَ وَأَجْرِكَ، وَأَنْتَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- نَحْسَبُكَ مِنَ الصَّابِرِينَ، اللهُ يُرِيدُ بِكَ خَيْرًا فَطِبْ نَفْسًا وَقَرِّ عَيْنًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ؛ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» إِذًا .. كُلُّ إِنْسَانٍ يُبْتَلَى؛ لِيُطَهِّرَهُ اللهُ مِنْ ذَنْبِهِ إِلاَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدً صلى الله عليه وسلم؛ فَهُوَ مُغْفُورُ الذَّنْبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلَكِنَّهُ يُبْتَلَى؛ لِيَكُونَ أُسْوَةً عَمَلِيَّةً فِي صَبْرِهِ وَلِرَفْعِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ .. فَاجْعَلْ صَبْرَكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّكَ، لاَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُقَالَ لَكَ: إنَّكَ صَابِرٌ؛ فَإِنَّ صَبْرَكَ هَذَا يُؤَهِّلُكَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ بَعْدَ رَحْمَةِ رَبِّكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد22]
(1) (حسن) : الترمذى 2402، صحيح الجامع 8177.
(2) (صحيح) : الترمذى 2396، ابن ماجة 4031.